في احدى دوائر مدينة دبي، التقيت مجموعة من الشباب المواطن حديثي التعيين، ودار حديث بيننا حول بعض قضاياهم، فوجدت انها مازالت تراوح بين ازمتي: التوظيف والمسكن، ومن خلال التأمل فيما قالوه، وفيما قاله احد الاخوة في الدائرة، وجدت ان هناك فجوة من نوع ما بين الطرفين، وفي ظل هذه الفجوة فهناك علامات استفهام وشكاوى، واحياناً اتهامات يوجهها الشباب لأصحاب ومسئولي المؤسسات دون ان يكون هناك حوار مفتوح يستطيع هؤلاء الشباب من خلاله تلمس الحقائق والاجابات. مازال الشباب يطرحون أزمة التعيين، وأولوية التوظيف للشباب المواطن انطلاقاً من سياسات التوطين، فلا يعقل ان ادفع بكل هذه الاعداد من ابناء الوطن للجامعات ومؤسسات التعليم المختلفة، ثم بعد تخرجهم لا اجد لهم الاماكن التي تستوعبهم كقوة عمل، فيتحولون الى بطالة واضحة في دولة تعاني من خلل في تركيبتها السكانية لصالح العناصر الوافدة، كما تعاني من سيطرة الاجنبي على سوق العمل والوظيفة ايضاً، وفي ظل دعوات لا تنتهي حول سياسات التوطين في قطاعات العمل المختلفة، اذن فأين الخلل؟ بعض المدافعين عن سياسات التوظيف (الانتقائي او العقلاني) يقولون: اننا مع سياسات التوطين، واننا نؤيدها ونعتبرها في صالح الوطن والمواطن ولكننا ضد التوطين العشوائي!! والتوطين العشوائي او غير المدروس كما يصفه البعض يتمثل في سياسة تعبئة الشواغر الوظيفية بأكبر (كم) يمكن من الخريجين المواطنين دون اعمال لمبدأ (الرجل المناسب في المكان المناسب) وهذه السياسة تهدف الى اعطاء صورة عن بعض المؤسسات بأنها مؤسسات وطنية، تتماشى مع اهداف الحكومة وصانع القرار فتحقق لنفسها سمعة وطنية جيدة، وصورة متألقة في ذهنية من يهمه الامر، دون التدقيق في قضية ان سياسة التوطين ليست تعبئة وظائف وشواغر فقط وانما الاستفادة القصوى من الطاقات الشابة ذات الكفاءة الجيدة في الاماكن المناسبة لها، فالمسألة مسألة جودة ونوعية وليست اعداداً مكدسة خلف مكاتب بلا فائدة!! بعض المسئولين مازالوا يصرون على انهم يتعاملون مع تعيين بعض الشباب المواطن بصرامة وحزم نظراً لذهنيات بعض الشباب الذين يعتقدون انهم يجب ان يعينوا وان يمارسوا وظيفتهم كما يريدون هم وبحسب مزاجهم وقوانينهم وليس بحسب قوانين وقواعد العمل، وقد يصل الامر بأحدهم احياناً الى حالة من التحدي لرؤسائه ولزملائه ولقواعد الوظيفة منطلقاً من ايمانه انه (مواطن)!! والمواطن (لا يفنش) ولا يعاقب ولا.. ولا!! في اعتقادي الخاص إن الامر لا يخلو من وجود العديد من الشوائب التي مازالت عالقة في ذهنيات البعض، لكن التعميم مبدأ خاطئ جداً. ليس كل الشباب يحمل ذهنية اللامبالاة ويعزف على وتر (المواطنة) هذا اللحن النشاز حول (احقيته) في المخالفة والخروج على القوانين، فما من مواطن مخلص يتمتع بوعي المواطنة الحقيقي يؤمن بذلك على الاطلاق، لكن الواقع يحمل الكثير من الامراض والانحرافات والسلوكيات المعوجة التي تحتاج الى تقويم اكثر مما تحتاج الى تجاهل او اتباع اسلوب العناد والتحدي مع هؤلاء الشباب. هناك اعداد كبيرة من الشباب المؤهل والذي يتمتع بكل مقومات الموظف المبدع والمتحمس، والطموح، وهؤلاء يحتاجون الى فرص لاثبات ابداعهم وحماسهم وطموحهم، وهذا حقهم الذي ان لم يتوفر لهم في وطنهم فلن يتوفر لهم في مكان اخر في العالم، هؤلاء يحتاجون للوظيفة لانها مطلب واحتياج وحق، تماماً كما يحق للمؤسسات والدوائر ان تحظى بشباب مواطن منتم لوظيفته ومتقيد بقوانينها، والمسألة ليست معجزة على الاطلاق. على المسئولين عن امور التوظيف ان يتخلصوا من بعض القناعات النمطية القديمة حول الشباب وعدم كفاءتهم وعدم التزامهم و.. الخ، وبأن يفتحوا ابواب مؤسساتهم لهؤلاء وان يمنحوهم فرص التدريب والتأهيل واظهار النمو المهني بشكل مريح وتلقائي، وان يرصدوا اداءهم، ويقوّموا عملهم وفق القوانين واللوائح المتبعة، فالوظيفة والعمل تراث اداري مؤسس على منهجيات معروفة لا تحتاج لكل هذا الجدل والاخذ والرد والاتهامات التي لا اساس لها من الصحة في احيان كثيرة.