في الصيف الماضي دار جدل شديد في البرلمان الانجليزي حول ضرورة فصل الطلاب عن الطالبات منذ المرحلة الاعدادية بعد ان تدنى مستوى التحصيل العلمي، الى درجة تنذر بالخطر الشديد. وكان السبب المباشر ـ كما اظهرت الدراسات التي اجرتها الحكومة لذلك التراجع في مستوى التحصيل العلمي هو الاختلاط بين الجنسين. حيث اظهرت النتائج انصراف الفتيان الى إثارة اعجاب الفتيات بدلا من انشغالهم بالدراسة وبما يقوله المدرسون. حيث انتبه الطلبة المتفوقون الى ان الفتيات لا يلتفتن الى المستوى العلمي للشاب إنما ينجذبن نحو الشاب الانيق الذي يتابع احدث خطوط الموضة سواء في قصة شعره او في ملابسه او مقتنياته الشخصية وكانت النتيجة تنافس الجميع على الفوز بقلوب الفتيات!! اما في الولايات المتحدة فان ادارة الرئيس بوش وبقيادته شخصياً سعت في الايام القليلة الماضية لإصدار قرار يوافق عليه الكونغرس الاميركي لاصدار تشريع مماثل يختص بالفصل المبكر بين الجنسين في المدارس الاميركية، والاسباب كما يرى الرئيس تتطابق مع الموقف البريطاني من حيث انخفاض الدافعية للتحصيل العلمي لدى الجنسين نتيجة افرازات الاختلاط. لقد بدأ الغرب اذن يستيقظ من احلامه القديمة التي ترى ان مزيداً من الاختلاط يعني مزيداً من النجاح بعد أن تكسرت رماح تلك النظرية على صخور الواقع الذي ابى الا ان يعبر عن خطورة رفع الحواجز بين الجنسين الى الدرجة التي تجعل من الاخلاق اول الحصون المهدمة، واول الجدران المخترقة، واول الابواب التي يتم كسرها بل طحنها تحت اقدام الطيش والحماقة والاستسلام للمشاعر الرخيصة. وقد يظن القاريء ان هذا الاهتمام بالحفاظ على الشخصية الشبابية من التفلت والضياع قد جاء متأخراً دون مقدمات مسبقة او ارضية مهدت لمثل هذا التوجه الرسمي. والجواب ان العودة الى تعاليم الدين المسيحي حول اهمية الحفاظ على الحشمة والشرف قد بدأت منذ اوائل الثمانينيات حين انتشرت الاوبئة الناتجة عن العلاقات المحرمة كالايدز والهيربز مما ادى الى إثارة رعب حقيقي في نفوس الناس من انتشار هذا المرض ووصوله اليهم. ومن اهم مظاهر تلك العودة الى تعاليم المسيحية انتشار البرامج التلفازية ذات التوجه العقائدي وحسب معهد «جاكوب» المتخصص في الاحصاء انه في سنة 1982 كان 52 مليون اميركي يشاهدون برنامجاً او اكثر من برامج الكنيسة المرئية شهرياً، ولكن بعد ظهور الايدز ارتفع العدد الى 60 مليون شخص. اما الناشطون في هذا المجال فيقولون انهم يفتحون محطة اذاعية كل اسبوع، ومحطة تلفاز في كل شهر وانهم قد استفادوا من الاقمار الصناعية حيث يقدر ان نصف هذه المحطات تستخدم الاقمار الصناعية. وتقول بعض الدراسات ان اهم عشر كنائس مرئية في الولايات المتحدة يشاهدها 40% من مشاهدي التلفاز الاميركي. وفيما يختص بالنشر والتأليف فإن احصاءات صناعة الكتب الاميركية سجلت اكبر ظاهرة في شراء الكتب الدينية. ففي السنوات الاخيرة بيع اكثر من ثلث السوق كتب دينية وتقدر اثمان هذه الكتب بحوالي مليار دولار دفع ثمنها حوالي 37 مليون مشتر. ولقد عكف علماء الاجتماع على دراسة هذه الظاهرة فوجدوا انها قد تمتد الى 500 عام قادمة، على نحو يؤكد انها ليست صرعة من الصرعات التي قد تجتاح الرؤوس الاميركية انما هي حالة اجتماعية تعكس مدى الجوع الانساني الى وجود عقيدة تحميه من شر نفسه وتقيه من اندفاعه نحو الهاوية!! ولا شك ان الانسان حين تتكسر عصيّه عن مقاومة طوفان الغرائز من جهة، وطوفان المخاوف الخارجية من جهة اخرى، فان الحفاظ على القيم والاخلاق يعتبر الحصن الاكثر مناعة، والقادر على ان ينتصر الانسان من خلاله على نفسه اولاً ثم على سواه. ترى هل تكفي تلك الرسائل الغربية لتميط اللثام عن وجه الحقيقة في قضية زايد عليها الكثيرون؟ فها هي بلاد العم سام تصدر فتواها في القضية وتندفع باتجاه البحث عن برقع الحياء في زمن يرفض الحشمة ويدعو للمجون!! رسائل بلاد العم سام قوية، وموحية، ومن اراد ان يبحث عن فضائل العفة فليسأل الوطن الاميركي فثمة جواب حاضر، سريع ومباشر!!