تتردد في أذني منذ الصغر دقات لطبول ودفوف®.ضربات ودقات صاخبة تثير الأعصاب. هذه الدقات كانت تشكل خلفية لمشاهد غير مكتملة وشخوص غير واضحة الملامح. رجال ونساء يرتدون ملابس غريبة ويؤدون طقوسا عجيبة.جلست مع نفسي. أعملت فكري. حاولت تجميع قصاصات من الذاكرة توقفت عند عبارات ترددت على ألسنة من حولي عن شخصية احتكرتني لسنوات بعد مولدي وحتى سنواتي الأولى بالمدرسة. إمرأة عجوز غمرتني بكثير حنان وبجزيل عطاء طوال هذه السنوات. وعلى الرغم من رحيلها في سني عمري الأولى إلا أنها ظلت عالقة بذاكرتي الصغيرة لسنوات طوال بعد رحيلها ربما ساعدها على ذلك هدية ظللت احتفظ بها طويلا. كانت طاقية حريرية مزينة بالقصب ذات ألوان مزركشة وتصاميم جميلة مميزة. ولكن لماذا هذه الطاقية الهدية؟ لم أحاول البحث عن إجابة لهذا السؤال إلا في فترة متأخرة، و توصلت إلى تخمين لم أسع على نحو جدي إلى تدقيقه. هذا التخمين قد يشكل ظلما كبيرا لشخصية أحببتها كثيرا في صغري. والتخمين يرتبط بظاهرة أحسبها لاتزال قائمة في ريف مصر وإن خفت حدتها عما كنت أراه في بلدتي منذ نحو ربع قرن.هذه الظاهرة هي الزار. الزار أعرفه ويعرفه غيري بأنه شكل من أشكال الشعوذة والدجل®. حفلات تقرع فيها الطبول وتضرب بها الدفوف تتمايل على نغماتها الأجساد وتتعرى فيها الأبدان ، يختلط بها الرجال والنساء، وتنتهك فيها الأعراض، يتصاعد فيها دخان البخور إرضاء للشياطين. وفي الزار تسلب أموال السفهاء على أيدي المشعوذين. لكن من منا يعرف تفاصيل ما يدور في هذه الطقوس الغرائبية؟ الزار عالم غريب حقا. تقول بعض تفاصيله أنه حفل نسائي لطرد الاسياد او استرضائها بتقديم أضاح وقرابين وأداء رقصات ايقاعها سريع على دقات دفوف صاخبة اعتقادا بان استحضار هذه الاسياد وافصاحها عن أسمائها يفقدها قوتها. ويقوم بطقوس الاستحضار والطرد امرأة تدعى الكودية او الشيخة او عريفة السكة وتتعامل الكودية مع كافة الأسياد وهذا ما يجعلها تحمل أعدادا كبيرة من التمائم بعدد الأسياد. بينما العروس تحمل قيمة السيد الذي يتلبسها فقط. وتقوم الكودية بوضع كرسي في وسط المجلس ، تجلس عليه صاحبة المنزل التي ينصب لها الزار ، وتحضر فرختين وديكاً ، وتربط أرجلها، ثم تضع الديك على رأسها، والفرختين على أكتافها، ثم تتلو نصوصاً معهودة، وتنشد أناشيد بينما الحاضرات يقلن : دستور يا سيادي مدد يا أهل الله يا سيادي، جو غريب تزداد غرابته بطقس آخر هو تبادل الملابس لإعطاء تأثير سحري فحين يتبادل الرجال ملابس النساء والعكس فإنهم يقصدون بذلك مخادعة الروح الشريرة، كما أن تبادل الملابس يستخدم أيضاً لمقاومة السحر ورده. لكن الحفل لايلتئم إلا بعد أن تتم تلبية طلبات الكودية ورغباتها. وهي طلبات على اختلافها تتفق في أمر واحد وهو الغرابة، وهذه الغرابة سخر منها بيرم التونسي في زجل له يقول فيه: طلع لها جوز تيوس من غير إشارة سود®.وعجل أبيض يكون تحت السما مولود وست وزات وفرخة عرقها مفرود وديك عشاري عريض السدر والمنقار. وعلى الرغم من ثقل الظاهرة وتعاستها لما يلتصق بها من تصرفات هستيرية إلا أن الزار لا يرتبط في أذهان كثيرين إلا بعدد من المشاهد الضاحكة في عدد من الأفلام و المسرحيات لعل أقربها إلى الذهن مسرحية «ريا وسكينة»، ومما يثير العجب العجاب أن الأغاني التي تضمنتها المسرحية ظلت لفترة فقرة رئيسية في حفلات الزواج بالمناطق الشعبية وفي ريف مصر على الرغم من اختلاف السياق، لكنها ربما تكون رسالة للعروسين بما ينتظر أحدهما أو كليهما خلال الحفل الأكبر: حفل الحياة. لقد انسحبت هذه الظاهرة وتراجعت بقوة في أيامنا الحاضرة لكن بعض مشاهدها تبدو صورا ضبابية لاتزال عالقة بهامش الشعور لدي. بقايا تجربة أو تجارب قدر لي أن أراها منذ نحو ثلاثة عقود لكن مثل هذه التجارب لاتنمحي مهما طالت الأيام. هي فقط تختبئ في ركن مظلم وما أكثر هذه الأركان في دواخلنا انتظارا لسانحة تقفز معها إلى السطح من جديد وتبقى هناك حتى يزحزحها إلى الخلف أمر آخر ذو شأن، وهكذا دواليك.