«الكتابة على الجدران» تعبير أميركي مستحدث وربما مبتدع لأننا لم نعثر عليه في قواميسهم المعتمدة ولعله تعبير صحفي في الأصل ولذلك فلم يدخل المعاجم بعد، إلا بعد رأي من فرز وتمحيص على أساس أنه لا يؤخذ بسهولة عن صحفي. المهم أن الاميركان ينعون على هذا السياسي أو ذاك أنه لم يفلح في فهم الكتابة على الجدران أو الكتابة على الحائط وهم يلمحون بذلك أن المذكور أعلاه لم يكن في حال من المتابعة الواعية لما عساه يدور في اخلاد الناس وما يساورهم من مشاكل وهموم وأشجان أي أنه لم يتواصل معهم ولا عايش ما يعايشون وما يكابدون. وهكذا تنوعت الكتابة على سطح الحائط أو على صفحات الورق، ناهيك عن الكتابة التي لا شك تعرفها على أوراق نبات البردي، له الله الكاتب المصري القديم الجالس القرفصاء كيف كان يتحمل كل هذه الساعات في جلسته المزعجة هذه فيما كانوا يملون عليه عبارات فخيمة تمجد رجلا صعب المراس حتى من كتابة اسمه: امنحتب أو سنفرو أو منقرع - أو حسابات تحدد أجر المقاولين وربما سمسرة الوسطاء ان لم تكن أعطيات المرتشين في إطار مشروع قومي عملاق أنشأوه من زمن بعيد غرب نيل الجيزة وأطلقوا عليه اسم الهرم أو الأهرامات. مشكلة هذا الكاتب الجالس القرفصاء أنه لم يكن يكتب ليعبر عن مكنون نفسه ولا عما استقر في أعماق ضميره: قصاراه أن يطيع العبارة الخالدة التي طالما رضخنا لها استسلاما وانصياعا في امتحانات اللغة العربية: أكتب ما يملي عليك. لكن الأمر يختلف في حالة الكتابة على الحوائط والجدران.. دع عنك كتابات تلاميذ المدارس على هياكل دورات المياه حيث مجالات الشكوى والتعبير الصريح متاحة بشرط ألا يراك أحد. في هذا السياق قد نذكر في طفولتنا أن عانينا مشاق تعلم القراءة والكتابة وهي معاناة مشتركة بين جميع الأجيال، وما ان استطعنا فك رموز الحروف حتى بدأنا نطالع على جدران مباني الحي الشعبي الذي نشأنا في أكنافه عبارة مكتوبة بمداد أحمر يقول كاتبوها: «شُرُم بُرم» ومن عجب أن كان الناس وقتها يصحون من نومهم وإذا يخرجون إلى شئون الرزق والمعاش من بيوتهم فهم يفاجأون بتلك العبارة وقد تكررت من بناية إلى أخرى. من كتبها ؟. ومتى فعل ذلك ؟ الله أعلم ومن عجيب أن العبد الفقير لم يعلم مصدر تلك العبارة حتى كتابة هذه السطور، وربما نسينا أن نسأل رغم كثرة ما طرحنا من أسئلة بعضها لاغناء المعرفة وكثيرها لإشباع الفضول كل ما تناهى إلى وعينا في فترات النضوج هو أن العبارة كان ينبغي أن تقرأ على وجه صحيح هو ( شر مبرم) وأن كاتبيها كانوا بمثابة قوى معارضة لنظام ما قبل ثورة 1952 وأنهم كانوا كمن يحذر وينذر بأن البلاد مقبلة على شفا هاوية من الخطر المحدق المتربص والجسيم. طبعا لم تكن هذه العبارة وحيدة زمانها على جدران حينا الشعبي وما في حكمه من أحياء البسطاء في القاهرة كان ثمة عبارات تتكرر بدورها على الجدران في تلك الأحياء الفقيرة وشبه الفقيرة (أحياء الاخوة الموسرين ـ في جاردن سيتي أو الزمالك أو المعادي كانت أرستقراطية بمعنى أن كان يسودها هدوء ولا يكاد يدب في مناكبها فرد يسير على قدمين - بل كانت السيارات الفارهة - الكاديلاك والبكار والمرسيدس والألفاروسيو هي التي تدب في طرقاتها فلا سابلة يومئذ ولا سائرون.. اللهم إلا أفراداً من الخدم أو السواقين أو عساكر الدوريات ومن ثم يظهر أي غريب وافد على الحياة وكأنه الشاة السوداء في قطيع أغنام ناصعة البياض) المهم أن كانت جدران أحيائنا تحمل عبارات أخرى عن بطولة فريق الأسد المرعب لكرة الشراب التي كانوا ينظمون لها أياما مخصوصة للدوري ويهيئون لها ساحات يعكف الشباب وغلمان الحي على كنسها وتنظيفها وتخطيطها بمعرفتهم وبأدنى الإمكانات وربما بغير إمكانات أصلا وبعدها تدور رحى المباريات، أما الكرة الشراب فهي عبارة عن كرة مصنوعة من بقايا الأسمال البالية التي تتخلف عن ملابس الفقراء بعد أن يصل استخدامها أو الانتفاع منها إلى درجة الصفر فلا محيص يومئذ عن إحالتها إلى التقاعد الأبدي في زوايا المخلفات. وليس لك أن تستهين بهذه الكرة فهي التي كانت مبارياتها بمثابة المدرسة الأولى التي شهدتها الحواري والأزقة ومنها تخرجت أجيال من بعد أجيال من أمهر وأفضل نجوم كرة القدم في الوطن العربي. ومن الشعارات المنقوشة على الجدران ما كان يحدث قارئيها عن عيادة خلع الضرس بدون ألم لقاء دراهم معدودة أو عن راجي عفو الخلاق الأسطى بيومي الحلاق الذي لم يتورع في جداريته الاعلانية عن نشر تسعيرة الخدمات التي يقدمها وينافس بها سائر أهل الكار في مضمار قص الشعر أو حلاقة الذقن مع تنزيلات خاصة للذرية الصالحة.. فما بالك بتسعيرة متهاودة لقاء ما يسديه الأسطى بيومي ومساعدوه (صبيانه حسب المصطلح المستخدم) في مضمار جراحات الختان! ولم تكن شعارات الجدران تخلو من الأبعاد السياسية حيث كنا نقرأ «يحيا اتحاد الطلبة مع العمال» أو زعيم الأمة النحاس (باشا) فضلا عن شعارات مرحلة ما قبل عبد الناصر وكانت تدور حول «الجلاء بالدماء والاستقلال التام أو الموت الزؤام» وطبعا مضت مراحل واحقاب دون أن ندري شيئا عن حكاية الزؤام بمعنى الموت السريع أو الكريه كما يقول الأب المعلوف جزاه الله خيرا في قاموس «المنجد». هكذا كانت كتابات الحائط في حياتنا الباكرة ويبدو أن شغفنا بالحائط هو الذي دفعنا ـ نحن شباب الجيزة إلى أن نؤسس مجلة حائطية ـ جدارية كانت الأولى من نوعها في الحي الشعبي الذي كنا نسكنه يومها اخترنا واجهة بيت على ناصية ثلاثة شوارع رئيسية ـ أو كنا نتخيل أنها رئيسية، وأمضينا ساعات طوالا في تنظيف جدار الواجهة وطلائها باللون الأبيض وجمعنا قروشنا القليلة والضنينة وكانت بالطبع من مصروفنا الضئيل كي يتم لنا تصنيع فترينة زجاجية عملاقة نضع بداخلها كل عدد جديد صادر من المجلة الحائطية التي اخترنا لها اسم (حينا) ولما كان الفقير كاتب السطور هو الوحيد في شلة الصحاب الذي دخل الجامعة فقد أوكلوا إليه ـ بصفته الثقافية الخطيرة هذه - رئاسة تحرير المجلة وزادوا في التكريم أن أودعوا بين يديه مفتاح الفترينة الزجاجية وكان هذا شرفا تسير بذكره الركبان! ومن عجب أن مجلة (حينا) عاشت عدة سنوات وكانت مجالا تفتحت فيه مواهب شابة في الكتابة الصحفية وفي رسم خط الرقعة الأنيق والتفنن في العناوين بخط النسخ الديواني الباهر الجمال، وهذا بالإضافة إلى مواهب فطرية في الإخراج والتنسيق والتوضيب. ومن عجب أيضا أن أنشأت «حينا» جسورا من دفء التواصل بين أهل الجيزة. وكان في تحقيقاتها حول سيرة هذا الجار أو وظيفة ذلك الجار زاد جديد أضاف إلى توثيق معرفة الناس بعضهم ببعض، فما بالك وقد هدتنا الفطرة إلى محاولة تقصى تاريخ الحي. أسماء حاراته وتطور الحياة فيه وإعلام المشاهير الذين خرجوا من تلافيفه وكان منهم مثلا الكاتب الأشهر مصطفى لطفي المنفلوطي والشاعر كامل الشناوي والأديب يوسف السباعي والساخر حسين شفيق المصري صاحب ديوان المشعلقات التي عارض فيها المعلقات السبع الشهيرة. كنت معجبا منذ فترة الصبا بكاتبي المفضل أحمد بهاء الدين. وكان أيامها رئيسا لتحرير مجلة «صباح الخير» ويكتب فيها زاوية بعنوان «درس في المبادئ». وهكذا ظلت مجلة «حينا» الجدارية تنشر زاوية ثابتة في كل عدد بعنوان «درس في المبادئ » طبعا بقلم رئيس التحرير (كاتب السطور حتى لا تنسى) ولك أن تتأمل كيف كان قراء مجلتنا العتيدة وأغلبهم حرفيون وأشباه أميين وتلاميذ صغار وناس أغلبهم على باب الله يقرأون كلاما عن الديمقراطية والبيروقراطية والتكنوقراطية وأغلب الظن أن كانوا يطالعونها من باب الفضول أو المجاملة لا يكادون يستوعبون شيئا. ولا كان رئيس التحرير، ابن الثامنة عشرة يستوعب منها الكثير، وقصاراه أن يقتبس ما قرأه من سطور أحمد بهاء الدين. هكذا لم تكن مجلة «حينا» تجربة في حرفة الصحافة بقدر ما كانت تجربة في فن النقل بدعوى الاقتباس.