توجد داخل الانسان أشياء كثيرة جميلة ساحرة رائعة عظيمة، وما يوصلنا اليه العقل (الذي فيه يستحيل فصل الذات عن الموضوع، أو فصل الفكر عن الشعور من هذه الاشياء في الكتابة أو التكلم، هو ذلك الشيء القليل المتنافر الغريب الذي هو نتيجة تعامل عقولنا مع ذلك الكل المتناغم المعقد الكائن داخلنا. والمشكلة الكبرى في الكتابة هي ان يتعامل الانسان مع حقيقة ذلك الكل الغامر للانسان. والكتابات الابداعية الادبية الشعرية والنثرية والفلسفية والنقدية نتيجة عن ذلك التعامل البشري مع ذلك الكل الغامر. ولتعقد ذلك الفيضان الكلي العظيم الكائن داخلنا ولعمقه السحيق ولسعته التي لا حدود لها ولسموه الذي يصل الى المساحات الموغلة في العلو والذي يرتاد الفضاء غير المحدود، لا مفر من ان تكون نتيجة تعاملنا العقلي ذلك عبارة عن معان وانطباعات وومضات فكرية قليلة لا يستطيع صاحبها ان يقول انه ولج بها في ذلك الفيضان النفسي العظيم. وحيال عظمة هذا الكل النفسي العظيم الغامر الباهر قمين بنا ان نصف ما أوصلتنا اليه عقولنا من ذلك الكل بأوصاف متواضعة، أوصاف من يعي محدودية فكرنا حيال فهم أعماق النفس البشرية. ومن الصعوبة البالغة النقل التام للمعنى عن طريق اللغة. ومن الصعب ان نعرف التاريخ الفعلي للظواهر الاجتماعية وللأشياء، خصوصاً تلك التي نشأت قديما، ومن هنا ينبغي توخي الحذر الشديد عند تناول مجريات التاريخ وعند قراءة مصطلحات من قبيل «التحقيب» و«التاريخية». وبالتالي ايضا يجب توخي الحذر الشديد من قبول مصطلحات من قبيل «الكلاسيكية» و«الرومانتيكية» لأنها مشتقة من عمليات تحقيبية مشكوك في صحتها، تضم حقائق وتلفيقات وخيالات وأوهاماً. النقد والتفكيك هناك تاريخان: التاريخ المتعارف عليه غير الحقيقي، والتاريخ الحقيقي الذي يكتشف والذي قد يستحيل اكتشافه لأن من الصعوبة البالغة معرفة ما حصل وكيف حصل. ولمعرفة ما حصل وكيف حصل يجب تفكيك كل ما يتعلق بـ «ما» هذه وبـ «كيف» هذه. وعلى الرغم من التفكيكية طريقة توصلنا الى قدر أكبر من المعرفة فإن عليها قيودها ايضاً، وتتمثل تلك القيود في عدم موضوعية الفكر البشري. ولذلك حتى لو تم اللجوء الى التفكيكية في اعادة كتابة التاريخ فإنه ليس من المضمون ان تفضي تلك الاعادة الى المعرفة التامة لما حدث ولكيفية حدوثه. غير ان من الأكيد ان تلك الاعادة عن طريق التفكيك من شأنها أن تؤتي معرفة أكبر بالتاريخ. والتعبير، الذي يشكل الوصف أحد تجلياته، يمكن ان يكون بسيطاً. والبساطة ليست مقصورة على التعبير، ولكنها تشمل أيضاً التفكير والشعور. ولزيادة اهتمام الناس بالكتابة وبالوسائل الأخرى لنقل المعاني، ينبغي ألا يكون التعبير بسيطاً فحسب، ولكن ان يكون التفكير والشعور بسيطين ايضاً. يكون رواج أكبر للكتابات بسيطة العبارة والشعور والتفكير لدى الجمهور الواسع. غير ان طبيعة بعض القضايا في الحياة والمجتمع والنفس يتطلب فهمها التناول غير البسيط، التناول المعقد. وثمة علاقة متبادلة ايجابية بين الاسلوب والفكر من ناحية البساطة والتعقد. وأحياناً يكون التبسيط في طرح الفكر أو في العبارة على حساب التعمق في فهم طبيعة القضايا المدروسة أو المطروحة، وبالعكس. التفكير المعقد ينحو الى ان يستلزم أسلوب تعبير معقد. احياناً كثيرة لا يصلح استعمال التعبير البسيط في الإعراب عن التفكير المعقد. والنقد طريقة مفيدة في التوصل الى المعرفة. وللنقد دوره المهم في معرفة الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والنفسية. ولا أعتقد انه يوجد نقد متعاطف. النقد لا يعرف وينبغي ألا يعرف التعاطف مع أي شخص لأن تعاطف النقد يفسد عليه وظيفته. في العملية النقدية يجب الفصل بين الصديق أو الزميل أو القريب وكتاباته. حينما يجري القيام بالنقد أو تؤدى وظيفة النقد لابد من نقد الكتابات بقطع النظر عن كاتبها. وحيث لا يمكن الفصل بين موقف المتعاطف وموقف الناقد فإن ما يحدث ليس نقداً، أو ان السياق ليس سياقاً نقدياً أو ان النقد من نوع النقد الجمالي الذي تدخل فيه عن وعي الاعتبارات الذاتية والجمالية فضلاً عن الاعتبارات الموضوعية. وإذا قلنا انه لابد من ان يوجد فصل بين النقد وعلاقة القرابة أو الصداقة فإن ذلك لا يعني طبعاً ان الناقد لابد ان ينتهي الى موقف سلبي من الكاتب المتعرض للنقد. قد ينتهي الناقد في هذه الحالة الى تقدير كتابات الكاتب والاعجاب بها، وقد ينتهي ايضاً الى التعاطف مع كتاباته، ولكنه يكون قد انتهى الى هذا التعاطف بممارسته للنقد غير المتحابي. ولقيام النقد بدوره من الأصح استعمال الطريقة التفكيكية التي يحتمل احتمالاً اكبر أن تمكننا من معرفة التأثيرات المتبادلة النشيطة (الديناميكية) في الظروف والأوقات والتصورات والامزجة المتغيرة. تغذية الفكر وحتى تكون استنتاجات النقد سليمة بالنسبة الى وقت من الاوقات ليس من الضروري ان تكون النصوص المنقودة قد كتبت في ذلك الوقت، إذ يمكن التوصل الى استنتاجات نقدية بالنسبة الى الوقت الحاضر استناداً الى تفكيك نصوص كتبت في الأوقات الماضية، وبالعكس. وبغية اكتشاف جوانب من النفس البشرية ومن الكون الذي يحيطنا، وابتغاء تحقيق التعامل مع هذه النفس وهذا الكون، لا مفر من ان تتناول الكتابة الخلاقة الابداعية المسائل المطروحة والمسائل غير المطروحة ومن ان يستمر تناول هذه المسائل أفضل من عدم تناولها. ونقد الاشياء افضل من عدم نقدها. وتحليل الواقع بجوانبه كافة وفهمه واستكناه حقيقته ومحاولة الاشارة الى البدائل للأمور أفضل من عدم التحليل وعدم الفهم وعدم الاستكناه وعدم القيام بهذه المحاولة. ويمكن للشعوب ان تستفيد من الافكار الصحيحة. والواقع انه لا تتحقق هذه الاستفادة تحققاً تاماً. وتوجد أسباب تحول دون التحقيق التام لهذه الافكار في كل بلدان العالم. وأحد هذه الأسباب سوء فهم القصد من الحوار أو النقاش. والحوار ـ إذا فهم القصد منه فهماً صحيحاً ـ وسيلة لتبادل الآراء ابتغاء التوصل الى الحقيقة. وفي حالات كثيرة يجعل المتحاورون هذا الغرض أو ينسونه أو يتناسونه أو يغفلونه، ويتصرفون كأنما الحوار ميدان للصراع فيه منتصر ومهزوم، وكأن الذي اتضح ان أفكاره خاطئة أو تبدو خاطئة مهزوم. التوق الى تحقيق ما يظنه المتحاورون انتصاراً والخوف مما يظنونه انهزاماً من شأنهما ان يزيلا أو يضعفا التأثير والتبادل والاثراء على الصعيد الفكري. وذلك لأن الحوار الفكري الموضوعي يغذي الفكر وينميه. هذا الحوار ليس من شأنه ان يقضي على الانفتاح الفكري وتصور البدائل الفكرية. وبالنظر الى ذلك فإن هذا الحوار يقوم بتغذية الفكر وانمائه. ولغة الحوار ضعيفة أو مغيبة على صعيد الجماعة الصغيرة أو المجتمع وعلى الصعيد القطري والاقليمي والعالمي. ولغة الحوار أشد تغييباً على الصعيد العالمي. طوال عقود كثيرة من السنين تشدقت دول غربية، على سبيل المثال، بالتمسك بالقيم الديمقراطية وبالحوار وبالتعددية الفكرية، وتشدقت وقتاً طويلاً باحترامها لحقوق الانسان والحريات السياسية وبتمسكها بالعدالة وبالمساواة. وما برحت تلك الدول منذ سنوات كثيرة تكرر ذكر نموذجها السياسي والاجتماعي والاقتصادي بوصفه النموذج الأمثل للتصدي لمشاكل الفاقة والمجاعة والظلم والطغيان. غير ان الواقع هو ان تلك الدول في الممارسة لا تأبه كثيراً بهذه القيم والمباديء عندما يتعلق الأمر بالشعوب غير الغربية. وتلك الدول الغربية تتصرف بوحي من مصالحها وتصوغ الأمور في اجزاء كثيرة من العالم حسب تصورها لمصالحها. وتلك الدول لم تتردد عندما يتعلق الأمر بمصالحها في اتخاذ القرار باستعمال القوة والعنف. ـ استاذ الدراسات الشرق أوسطية ـ الولايات المتحدة