منذ ان خرجت الولايات المتحدة الاميركية من حرب الاستقلال وهي في صراع دائم مع الاخرين لتحقيق ذاتها، فدخلت عام 1846، في حرب مع جارتها المكسيك لمدة عامين استولت فيها على ولايتي كاليفورنيا وتكساس وغيرهما من الاراضي في الجنوب والغرب، واصبح المكسيكي الاسمر هو العدو الوحيد للشعب الاميركي حتى كانت الشرطة تقبض على من تشتبه فيه وتصفده بالاغلال وتشحنه في قطارات البضائع الى الجنوب حيث تكون نهايته في احدى القرى المكسيكية النائية التي لم يكن قد سمع عنها من قبل، تاركا عائلته في مكان ما على الاراضي الاميركية التي لم يكن يستطيع دخولها. لم تكد تمر بضعة اعوام على ذلك حتى دخلت هذه الامة الوليدة في حرب اهلية قاسية اذهبت بالاخضر واليابس وأودت بحياة ستمئة الف شخص من مجموع ثلاثة ملايين شخص اشتركوا في الحرب الوحيدة التي دارت فوق التراب الاميركي، وانقسمت تلك الامة الى شعبين متخاصمين بشراسة، وتكفي لهجة الجنوبي لتحديد هويته وارساله الى معسكرات الاعتقال ليعيش اسوأ مما يكابده معتقلو غوانتنامو حاليا. لم ترتح هذه الامة، فاشتركت في الحرب العالمية الاولى التي اشتعل اوارها في 1914 لتخسر اكثر من ثلاثة وثلاثين الف قتيل، وكانت هي البداية لتجربة آلتها العسكرية خارج اراضي القارة الاميركية، ثم انضمت بكل ثقلها في الحرب العالمية الثانية عام 1940 الى جانب الحلفاء وخسرت اكثر من 172 الف عسكري، حينها وضعت اليابانيين والالمان في خانة الاعداء، وجمعت العوائل اليابانية التي كانت مقيمة على اراضيها في معسكرات اعتقال خوفا من ان تستخدمهم الامبراطورية اليابانية كطابور خامس، حشر النساء والاطفال والرجال في مخيمات اقيمت على عجل فوق اراض قاحلة في الصحراء لحين انتهاء الحرب، ونشطت المؤسسات الامنية في مراقبة ذوي الاصول الالمانية لمعرفة ميولهم وانتماءاتهم مما يذكرنا بالاساليب المتبعة حاليا مع الجالية المسلمة المقيمة هناك الان، ومع ذلك طويت هذه الصفحة بكل هدوء من التاريخ الاميركي، ولم يعد لها ذكر سوى في ملفات المحاكم طلبا للتعويضات التي لم تكن مرضية على أي حال. استمتعت الولايات المتحدة بقوتها بعد تلك التجربة، فخاضت الحرب الكورية التي فقدت فيها حوالي 37 الف قتيل، ثم حرب فيتنام التي ذهب فيها خمسون الف قتيل اميركي، ومئات الالاف من الفيتناميين الذين لم يكن احد يهتم باحصاء قتلاهم، فحينما كانت الطائرات الاميركية ترش المواد السامة على الغابات وتسقط حممها على كل من يتحرك فوق تلك الارض، كان الشعب الاميركي يشاهد ذلك على التلفاز مستمتعا بأكل الذرة وكأنه امام فيلم ممتع منتظرا نهايته. خلال تلك الفترة من الصراع الاميركي الفيتنامي، كان العرب والمسلمون خلف ستارة مسرح الصراع الاميركي بانتظار من يدعوهم ليقوموا بدورهم، وفعلا دخلوه بانفجارات الحادي عشر من سبتمبر، ليعانوا كما عانى غيرهم من الشعوب. لنسأل انفسنا الآن: هل سنستطيع ان ندير هذه الازمة بكفاءة كما أدارها غيرنا ؟ بعد الحرب الاميركية المكسيكية، والطرد العشوائي والاعتقالات عادت الامور الى نصابها بين الدولتين، واصبحت الجالية المكسيكية من اكثر الجاليات تأثيرا في القرار الاميركي وفي الاقتصاد والزراعة وغيرها من مجالات الحياة. ومع ان اليابانيين تلقوا صدمة القنابل الذرية والاحتقار والاذلال الاميركي، إلا انهم وفي غضون سنوات قليلة استفادوا من الصراع الاميركي الكوري ليبنوا اقتصادهم الرائع ويدخلوا في شراكة تجارية وصناعية مع العدو السابق ليغدوا مرحبا بهم بكل حفاوة دون شعوب العالم كضيوف ومستثمرين وسياح على الاراضي الاميركية. لم تكن فيتنام باقل منهم ذكاء، فقد استفادت من دروس سابقيها، ومدت جسور التواصل مع عدوها لتصبح مقربة منه، واضعة نفسها على قائمة الدول المتلقية للاستثمار الاميركي لتصبح حليفة له ومستفيدة من امواله ومساعداته، فهل نستطيع نحن العرب تجاوز هذه الازمة وتركها وراءنا كما فعل غيرنا؟ اشك في ذلك، فثقافتنا لاتعيننا على نسيان الازمات، فما زالت الكويت بعد كل هذه السنوات تفكر باقامة حائط بينها وبين العراق، ومازالت هناك ملفات مفتوحة بين العراق وايران بانتظار من يغلقها وكأن هناك لعنة ستحل على من سيحاول ذلك، ومازالت الصراعات الحدودية بين الدول العربية بانتظار من يشعل فتيلها. لقد تعودنا على ان نبكي على انفسنا كثيرا، ونتوقع ان يشاركنا الاخرون، ولم نتعلم بعد بان الضعيف لم يعد يثير الشفقة. ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت»