الدولة الليبية ليست طرفا في قضية لوكربي.. فلماذا تدفع تعويضات؟ هذا هو التساؤل القانوني الذي طرحه المسئول الليبي الكبير سليمان الشحومي الامين المساعد للشئون الخارجية، في «مؤتمر الشعب العام» الليبي وهو تساؤل مشروع تحت اي مبدأ من مباديء القانون الدولي. قضية لوكربي كما نعلم تتعلق بتفجير طائرة ركاب تابعة لشركة «بان اميركان» الاميركية وقع في عام 1988 فوق اجواء مدينة لوكربي الاسكتلندية وراح ضحيته 270 شخصا كلهم ـ عدا عشرة منهم ـ اميركيون، والمتهم الذي ادين بتدبير الحادثة وتنفيذها ـ عبدالباسط المقراحي ـ امام محكمة اسكتلندية (عقدت في هولندا) وصدر عليه حكم بالسجن المؤبد ـ مواطن ليبي فرد ورغم ما تداولته وسائل الاعلام من ان المقراحي عضو في جهاز الاستخبارات الليبية، فانه لم يمثل امام المحكمة بهذه الصفة ولا بأي صفة اخرى تجعل منه ممثلا للحكومة الليبية. فلماذا اذن تطالب الولايات المتحدة الدولة الليبية بدفع تعويضات مالية الى اسر ضحايا الحادثة؟ لقد تحدث الشحومي الاسبوع الماضي في مؤتمر صحفي في لندن عقد بدار البرلمان البريطاني قائلا انه لا علاقة لدولة ليبيا اطلاقا بالحادثة.. ولذا فهي بريئة ولن تقبل ابدا مبدأ دفع تعويضات وليس واردا في قاموسها دفع تعويضات». ان محامي اسر الضحايا الاميركيين يطالبون الحكومة الليبية بتعويضات بمئات الملايين من الدولارات بواقع عشرة ملايين دولار عن كل ضحية، وبغض النظر عن هذه المبالغة فان هذه المطالبة لاتستند الى اساس قانوني وانما تستند الى ابتزاز سياسي، فالمحامون الاميركيون يعلمون ان ليبيا فرضت عليها عقوبات اميركية وعقوبات دولية صدرت بايحاء اميركي ويعلمون في الوقت نفسه ان المطالبة بالتعويضات المشار اليها عبر دعوى قضائية قضية خاسرة سلفا لذا لجأ المحامون الاميركيون الى فرض انفسهم كطرف وسيط بين ليبيا والادارة الاميركية لعرض صفقة تدفع الحكومة الليبية بموجبها التعويضات المطلوبة نظير موافقة الادارة الاميركية على رفع العقوبات. وقد كادت الحكومة الليبية ان تقع في فخ هذه المعادلة لولا ان المعادلة نفسها نسفت بعد رفض الحكومة الاميركية رفع كل العقوبات دفعة واحدة. ان العقوبات المفروضة في حد ذاتها سواء الصادرة عن الولايات المتحدة او تلك الصادرة عن مجلس الامن الدولي بضغط اميركي غير مشروعة لا قانونيا ولا اخلاقيا فقد فرضت قبل ان تشكل محكمة لوكربي.. وكأنما المقصود ادانة الدولة الليبية سلفا سواء ثبت انها متورطة في حادثة تفجير الطائرة او غير متورطة. ماهي العقوبات المفروضة على ليبيا؟ على مستوى الولايات المتحدة هناك اجراءات مقاطعة تجارية واقتصادية بالاضافة الى ادراج اسم ليبيا على القائمة الاميركية للدول «التي ترعى الارهاب» وعلى مستوى الامم المتحدة فان هناك قرارا صادرا قبل انعقاد المحكمة الاسكتلندية يطالب ليبيا «بالاقرار بمسئوليتها» عن حادثة تفجير الطائرة وقرارا آخر يطالبها «بمعالجة» مشكلة تعويض اسر القتلى. وهذا يعود بنا الى التساؤل الذي طرحه المسئول الليبي الكبير الاسبوع الماضي: كيف تقر الحكومة الليبية بتحمل مسئولية جنائية عن فعل اجرامي ليست هي طرفا قانونيا فيه؟ ان دفع تعويضات يجب ان يكون مسئولية الطرف الذي تصدر المحكمة بشأنه ادانة جنائية يمكن ان يستند اليها صاحب الدعوى للجوء الى محكمة مدنية للمطالبة بالتعويض، وكما يعلم العالم كله ان هذا الطرف الجنائي الذي ادين قانونيا هو المواطن الليبي الفرد عبدالباسط المقراحي.. وليس حكومة ليبيا. ولان محامي اسر الضحايا الاميركيين يدركون اكثر من غيرهم هذه الابعاد القانونية فانهم لم يشاؤوا ان يكلفوا انفسهم عناء رفع دعوى مدنية ضد المواطن الفرد عبدالباسط المقراحي فغاية ما يمكن ان يحصلوا عليه هو صدور حكم يفرض على المقراحي دفع تعويضات (ربما بمئات الآلاف من الدولارات وليس مئات الملايين). وفي هذه الحالة فان المقراحي سيقول انه لا طاقة له بدفع المطلوب وبالتالي يطاله حكم اضافي بالسجن وماذا يضير ذلك شخصا محكوما عليه اصلا بالسجن المؤبد؟ وهكذا نعرف لماذا لجأ المحامون الاميركيون الى اسلوب الابتزاز السياسي تجاه الحكومة الليبية عوضا عن الاجراء القانوني.