اليكم أولاً هذه الحكاية.. في جامعة كاليفورنيا وبرعاية حاكم الولاية تم تكريم مجموعة من متفوقي الدراسات والاكتشافات الجديدة من بلدان مختلفة (اليابان، فرنسا، اسبانيا (اسرائيل) ومصر .. ) ومن مصر تحديداً كان المهندس (جابر النجار) الذي نجح في تسجيل اختراع جديد في مجال الحقيقة الافتراضية بالكمبيوتر اثناء تحضيره لرسالة الماجستير التي حصل عليها في مجال الملتيميديا، حمل هذا المهندس الابتكار الجديد وشهادة الماجستير عائدا الى بلاده كأول عربي ينال هذه الدرجة من جامعة كاليفورنيا. اعتقد المهندس ان الجميع سيرحبون به، وستفتح له الابواب لأجل مزيد من التشجيع والرعاية في سبيل تطوير الابتكار، لكن المجلس الاعلى للجامعات قابله بالفرض! لقد رفضوا شهادته بحجة ان ليس للرسالة ما يقابلها في الجامعات المصرية، ورفضوا الابتكار لانهم اعتبروه نوعا من الخيال!! وبقية الحكاية تعرفونها بداهة لانه عاد الى الجامعة التي تخرج منها حيث استقبلته بما يليق وهو يعمل فيها الآن، هذه واحدة من آلاف القصص التي تروى عن الهجرة والمهاجرين العرب للعالم الغربي والتي شكلت أزمة نزيف العقول والكفاءات العربية واشكالية الهجرة من بلدان العالم الثالث الى الدول المتقدمة، وقد يكون في حكايتنا جزء كبير من الحقيقة، حقيقة الدوافع التي تدفع بخيرة العقول العربية الى الغرب والولايات المتحدة، حيث الحرية وتقدير الكفاءات والبذل باتجاه جذب العلماء والعباقرة للاستفادة من عقولهم وامكانياتهم، وحيث فرص العمل والاثراء والاستفادة من قوانين الهجرة واللجوء هناك وبطبيعة الحال فليس كل المهاجرين علماء واصحاب ابتكارات، وان كان هؤلاء من أكبر خسائرنا التي نمنى بها كل يوم دون ان نشعر بحجم الخسارة بالنسبة لعالمنا، وحجم الارباح بالنسبة للغرب، ومع هؤلاء يهاجر شباب ورجال ونساء يحمل كل منهم سبباً وجيها يجعله يغادر وطنه وأهله واصدقاءه الى الابد، مع اننا كعرب تربينا على قناعة (بلادي وان جارت عليّ عزيزة) لكن هناك ما هو اعز يدفع بهذه الجموع للهجرة، والتي اصبحت مشكلة اقتصادية واجتماعية تعاني منها دول اوروبا حاليا وترفع صوتها عاليا لمناقشتها ومواجهتها لما تسببه هذه الهجرة خاصة غير المشروعة من ازمات، وفي حديث مع احد اساتذة الجامعة اللبنانية اثناء احدى زياراتي للبنان ذكر الرجل حكاية الاحياء السكنية الكاملة المكونة من لبنانيين هجروا قراهم في الجنوب ويعيشون حاليا في المدن الاميركية (فمع ان تعداد قريتنا الحالي ـ كما يقول ـ يبلغ (5000) شخص فإن احياء في ديترويت بأميركا يسكنها اكثر من (15 ألف) شخص من مهاجري هذه القرية!). من وماذا دفع بهؤلاء للهجرة؟ انها (اسرائيل) باختصار ! (اسرائيل) بكل دمارها وقصفها وتضييقها على الناس، وسحقها لاقتصادهم ومصادر قوتهم، لكنها ليست السبب الوحيد بالتأكيد، فحيث لا توجد (اسرائيل) يوجد الظلم ومصادرة الحريات ونوعيات عجيبة من الحكومات العربية التي تدفع ابناء الاوطان للهروب نجاة بأنفسهم من الموت البطيء في ظل الاحكام القمعية، وانعدام القوانين، واحترام حقوق المواطن، فنجد التخلف، والمحسوبيات والمنسوبيات والانانية والسجون وسحق الآراء الاخرى، والفقر، والاعدامات، والتفرقة العنصرية على اساس الانتماء المذهبي والطائفي، والقبلي والمادي الى جانب البطالة والطبقية، وتدني مستوى المعيشة .. الخ، هذه وغيرها تدفع الكثير صوب افاق اخرى توفر لهم الحرية والكرامة والامان ورغد العيش، وان كانت هذه البلاد برغم كل ما فيها الا انها تأخذ منهم اشياء كثيرة في المقابل وتضع المهاجرين اليها في وامام اختيارات صعبة جدا! اول الامتحانات امام المهاجرين يأتي في الاندماج مع هذه المجتمعات المختلفة عنهم في كل شيء، ثم تأتي مسألة العنصرية العرقية، ثم مأزق تربية الابناء والبنات في اجواء منفتحة ولا اخلاقية، وعقبات اخرى، يقول المهاجرون أنها برغم صعوبتها الا انها أهون كثيرا من الاوضاع التي كانوا عليها في بلادهم. ولو أننا دققنا في جنسيات العرب المهاجرين لعرفنا سريعا علاقة الانظمة والاقتصاد والسياسة بسيل الهجرات في العقدين الأخيرين تحديدا .. كان الله في عونهم!