حين تستمر الدعوة الى اهمية استثمار المال والعقول في التعريف بقضايانا العادلة، ومواقفنا الثابتة، ومنطلقاتنا الفكرية والعقائدية، ثم لا تجد تلك الاصوات، من يتجاوب معها على النحو الذي يوقف الهجوم الضاري على مقدساتنا وتراثنا الفكري، فإن على اولئك الذين يستطيعون ان يساهموا في دعم تلك الحركة الثقافية ان يعترفوا ـ ولو لمرة واحدة ـ بفداحة تقصيرهم تجاه امتهم وهويتهم. آخر ما طالعتنا به وسائل الاعلام للتأكيد على خطورة هذا الدور، الغائب عن اذهان المرشحين لملء هذا الفراغ المعرفي من بني قومنا، والحاضر في اذهان المناوشين والحاقدين، هو التقرير الذي نشرته مجلة «الشروق» الاماراتية حول كتاب صدر في ايطاليا حديثاً، ومؤلفته كاتبة ايطالية تجاوزت السبعين عاماً شنت من خلاله هجوماً ضاريا على كل ما يمت الى الاسلام والمسلمين بصلة على نحو ألبت فيه شعوب العالم ضد هذه المنطقة وابنائها داعية الى ابادة الاسلام ومحو المسلمين من خارطة العالم. لقد اطلقت الكاتبة الغربية لقلمها العنان، واخذت تصف المسلمين بأوصاف يندى لها جبين الحياء، حيث لم تتوان عن نعتهم بأنهم يعيشون حياة مليئة بالفجور والمجون على نحو يتيح لغيرهم ان يستأصلهم وهو مرتاح الضمير. فهم ـ بزعمها ـ لا يعرفون قيمة الحياة، ولا يحترمون العقائد الاخرى، انما هم ـ وفق ميزانها الخاص ـ عنصريون، متطرفون ولا يريدون لغيرهم ان ينعموا بالحرية او الامن. ان التقرير الذي نشرته مجلة الشروق الاماراتية يقطع الشك باليقين حول التحرك الثقافي النشط الذي يقوده المتعصبون من الغرب دون حياءٍ او حساب لغضبنا الذي يبدو انه لا يخيف احداً ولا يحرك ساكناً!! وربما خيّل لفريق منا ان كل هذا التحريض والتعصب المبثوث في صفحات الكتاب ما هو إلا زوبعة في فنجان او فقاعة سريعة الذوبان، غير ان الاخبار تؤكد على ان مبيعات الكتاب في ايطاليا وحدها تجاوزت اكثر من مليوني نسخة، فكيف سيؤول الامر اليه خارج ايطاليا وعلى امتداد خارطة الدول الاوروبية؟ ويحضرني هنا الجواب المتكرر الذي يتشبث به من يملكون القدرة على تمويل تلك المشاريع الثقافية التي ينادي بها المخلصون وهي ان رأس المال بطبيعته جبان، ولهذا فان اصحاب رؤوس الاموال يخشون لو وضعوا اموالهم في توظيف الاقلام النظيفة وصناعة الكتب ذات المحتوى الحضاري، والطرح المتقدم في التعريف بجدارة الفكر الاسلامي للتواصل مع الحضارات الاخرى وفق قاعدة الالتقاء على حماية الحريات الدينية والمدنية على حد سواء، من ان لا يستردوا تلك الاموال وهو ما يعرضهم للخسارة المحققة!! ان الاعتراض المشروع على مثل هذا الطرح المادي الضيق الافق يتمثل في استمرار تكرار هذه الاسطوانة المشروخة التي برع في ترديدها اولئك الخائفون على اموالهم الذين غيّبوا المصلحة العامة، وانغلقوا على مصالحهم الضيقة دونما مبرر لهذه المعادلة المعكوسة.. فإلى متى يظل رأس المال جباناً في ذهن هؤلاء الناس ولا يصبح مقداما؟ ولماذا لا يستمد رأس المال قوته من الطاقة النفسية والايمان العميق الذي كان حريا ان يلازم اصحاب رؤوس الاموال؟ ولماذا تتحول المخاوف على فقد جزء من المال الى غول يفترس المشاعر ويقضي على الهمم؟ ومتى يتصالح رأس المال مع الفكر والمعرفة فيتحرر من المحورية الضيقة للمنفعة الذاتية الى مستوى القدرة على صناعة مستقبل اكثر علماً واكثر وعياً ورشاداً، ليس في محيطنا المحلي فحسب بل على مستوى الانسانية كلها. من تلك المبادرات المشرفة التي تؤكد اهمية العمل التوعوي في هذه المرحلة ما يسمى بـ «يوم المسجد» الذي اقترحه المجلس الاعلى للمسلمين في المانيا، واستجاب له اكثر من 800 مسجد فتحوا ابوابهم في يوم واحد لغير المسلمين كي يحاوروهم، ويعرفوهم بالاسلام الصحيح، وقدموا خلاله للزائرين من الالمان الذين تجاوزوا عشرات الالوف الاصدارات المتعلقة بهذا الجانب. ومما يدل على نجاح هذه التجربة ذات الامد القصير والذي حدد بيوم واحد ذلك الاهتمام الاعلامي المكثف حيث بثّت التلفزيونات الالمانية برامج لتغطية هذا الحدث المتميز. وهو ما يؤكد ان هناك اهتماماً شعبياً بالاسلام ينبغي الاهتمام به، وتقديمه على سواه من البدائل الضعيفة التي انتهت صلاحيتها منذ زمن طويل. مريم عبدالله النعيمي