متى نرى اليوم الذي تولي فيه مدارسنا اهتماماً حقيقياً بالرياضة بدلاً من التركيز فقط على حشو عقول التلاميذ بالعلوم وملء بطونهم بالأغذية السقيمة التي تباع في مقاصف المدارس؟ فأطفالنا اليوم لا يبذلون مجهوداً بدنياً يحقق لهم مستوى كافياً من اللياقة الجسمانية ومعظمهم يمضون أيامهم جلوساً بلا حراك أمام شاشات الكمبيوتر والتلفزيون. ألا يستحق أطفال اليوم وشباب الغد أن نستثمر فيهم بتهيئة الظروف التي تساعدهم على أن يكونوا نشطين بدنياً ولو لثلاث حصص أسبوعياً وهو الحد الأدنى المطلوب للحفاظ على صحة الجسم والذهن ولياقة البدن. لا أتصور ان الأمر يتطلب الكثير، فكل ما نتمناه هو تدخل ومتابعة جدية من وزارة التربية لحمل المدارس على الاهتمام أكثر بحصص الرياضة البدنية وانتقاء مدربين رياضيين مؤهلين بشكل أفضل من النماذج التي نراها في المدارس الخاصة والتي لا تريد ان تعرق وتتعب في الطقس الحار رغم توفر صالات رياضية ومسابح وملاعب وجودها كما يبدو كعدمه فهي للعرض والإبهار لا الاستخدام. فنادراً ما نرى اهتماماً جدياً بتعليم الطفل مهارات أساسية كالسباحة مثلاً وحتى التمرينات الرياضية البسيطة التي يفترض ان يزاول الشخص عشرين دقيقة منها ثلاث مرات اسبوعياً يستبدلها بعض معلمي الرياضة بألعاب شعبية لا فائدة ترجى منها. ذلك لا يمنع وجود فئة قليلة ممن يعملون بضمير لكن الصعوبة التي يواجهونها تكمن في وجود صالة رياضة واحدة لا تستوعب جميع الفصول وتكون مشغولة في معظم الأوقات، وهي المشكلة التي تضطر أحد معلمي الرياضة بمدرسة خاصة الى أخذ تلاميذه لدورة المياه ليلعبوا بالكرة في ممر ضيق طوله لا يزيد على ثلاثة أمتار. والمؤسف ان جميع المدارس الخاصة تتباهى في اعلاناتها في الصحف بامتلاكها صالات وملاعب ومسابح رغم ان الجميع يدرك انها لا تستغل إلا فيما ندر. حكومة رئيس الوزراء البريطاني تنبهت لمعدلات البدانة المنتشرة بين الأطفال وخصصت ميزانية تتجاوز المليار جنيه استرليني لدعم الرياضة المدرسية على مدى الاعوام الأربعة المقبلة في خطة تهدف الى التحقق من أداء كل تلميذ ساعتين على الاقل من الرياضة اسبوعياً. وتشتمل الخطة على زيادة عدد منسقي الأنشطة الرياضية بين المدارس وتوفير مدربين رياضيين محترفين وإنشاء مدارس متخصصة بالرياضة. فهل نأمل ان يخرج علينا مسئول بالإعلان عن خطة لمكافحة وباء البدانة والخمول المستشري بمعدلات مقلقة بين أطفالنا والتي ستظهر عواقبها في المستقبل على شكل أمراض قلب وسكري و مصائب أخرى لا يعلم بها إلا الله. صحيح ان للمنزل دوراً أيضاً في تشجيع الطفل على الحركة وتوفير ما يحتاج له الطفل كي يبقى نشطاً والحد من ساعات جلوسه أمام التلفزيون ومراقبة أكله لكن ليست جميع البيوت واسعة بشكل يسمح للطفل باللعب في الخارج كما أن اللعب الجماعي الذي توفره المدرسة هو ما يضفي على الرياضة عنصر المرح ويحبب الطفل فيها. دولتنا والحمد لله سباقة في كل شيء وكل يوم نسمع عن خطط ومشاريع جديدة للارتقاء بمستوى الدولة وتقديم افضل الخدمات لكننا مازلنا بانتظار خطط ومشاريع تهدف الى بناء الانسان وتأسيس أجيال من الشباب أصحاء الجسم وهو الاستثمار الذي سيعود بالنفع على الدولة اذا ما وضعنا في الاعتبار تكاليف علاج أمراض البدانة. لا نريد أن تقيم المدارس والمؤسسات نوادي صيفية يتعلم فيها التلاميذ الكمبيوتر وفنون الطبخ والرسم لشغل أوقاتهم في مواسم الاجازات فما نتمناه هو إقامة معسكرات لمكافحة البدانة ليس صيفاً فقط ولكن على مدار العام الى جانب انشاء مدارس رياضية تعطى فيها الرياضة أولوية لا تقل عن العلوم الأخرى. باختصار نريد تعاملاً أكثر حزماً مع مشكلة البدانة.