هل جربت أن تربطك صلة من نوع ما بإنسان دون أن تراه أو تسمع حتى صوته فرسمت له صورة في خيالك؟ وإلى أي مدى تطابقت تلك الصورة مع الواقع؟ سؤال ربما بدا غريباً.. ولكنه أمر يحدث لي ولك وللآخرين فنتوقف عنده أو نمر به مرور الكرام. سؤال آخر ذو صلة وثيقة من المناسب طرحه أيضاً: أيهما أقدر على إرضاء طموح الإنسان ورغباته الخاصة، هل هو الواقع أم الخيال؟ هنا تصبح الإجابة أسهل بالتأكيد. إنه الخيال دون شك، فهو الأقدر دائماً وحتماً على احتواء الطموح وسد الثغرات التي تحدثها حقائق الواقع وإمكاناته المحدودة مهما كانت كبيرة. «إن أعظم ما يمتلكه الإنسان هو الخيال» هذا ما يقوله الكاتب الأرجنتيني الشهير «بورخس» رائد أسلوب الواقعية السحرية التي تقوم على مزج عناصر من الواقع بعناصر غير واقعية لإثارة مسائل فلسفية، ومن هذه المقولة وعلى الخطى نفسها سار الكاتب الكولومبي الأشهر «جابرييل جارسيا ماركيز» الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 1982 فقال: «إن سبر أغوار الواقع دون أحكام مسبقة عقلية يبسط أمام روايتنا بانوراما رائعة، ومهما اعتقد بعضهم أن منهجنا هروبي فإن الواقع سيثبت ـ إن عاجلاً أو آجلاً ـ أن المخيلة على حق». ولأن آفاق الخيال أوسع وسماءه أرحب فقد رفض «ماركيز» كل العروض التي قدمت له لتحويل رواياته إلى أفلام سينمائية لأنه أراد أن تبقى مخيلة القارئ حرّة غير مؤطرة. وهو عن ذلك يقول: «أنا أفضّل أن يتخيل قارئ كتابي الشخصيات كما يحلو له. أن يرسم ملامحها مثلما يريد. أما عندما يشاهد الرواية على الشاشة فإن الشخصيات ستصبح ذات أشكال محددة هي أشكال الممثلين، وهي ليست تلك الشخصيات التي يمكن أن يتخيلها المرء أثناء القراءة». نظرية الخيال هذه شكّلت أيضاً ركناً أساسياً في فكر بعض الفلاسفة والمفكرين، من هؤلاء محيي الدين بن عربي أحد أكثر الشخصيات شهرة وتأثيراً في الفلسفة الإسلامية، وصاحب نظرية «وحدة الوجود» المثيرة للجدل في الفكر الصوفي، فقد قامت نظريته على مفهوم الخيال المعقد الذي يلعب عنده دوراً رئيسياً في بنائها، ويبدو كمصدر خلاق للتجلي باعتباره وسيلة معرفية أساسية كما يقول في الفتوحات المكية: (إن ذلك الذي لا يعرف منزلة الخيال خالٍ من المعرفة) فعالم الخيال ـ عنده ـ هو عالم الأحلام حيث كل شيء لا يزال أصلياً مثل الشبح الذي لا يمكن لمسه ولا يمكن الوصول إليه. الأشكال المتخيلة مثل الأحلام، لها خاصية شبحية وخيالية: إنها قابلة للإدراك، أشكال لها معنى بدون حضور مادي، فهي ليست بالحسية الصافية ولا بالمجردة الصافية. مثل الصورة في المرآة، إنها مرئية ومع ذلك هي ليست هناك، مرئية ولكن بدون جسد، مثل سراب خادع، موجود ولا يمكن الوصول إليه. وكي لا يتسرب السأم إلى نفوسنا ويتسم حديثنا بكآبة غير مرغوبة نغادر سريعاً محطة الفلسفة إلى محطة أخرى لعبت فيها المشاعر دوراً كبيراً ومؤثراً.. إنها محطة المبدعين.. أولئك الذين لولا خيالهم الخصب وتلك الصور التي تكونت في أذهانهم مما لا يمكن أن يكون له مثيل على أرض الواقع لما أنتجوا لنا هذا الأدب والفن الرائع شعراً ونثراً ولوحات خلدت مبدعيها ومن هاموا بهن أو همن بهم.. ليلعب الخيال بعد ذلك دوره في رسم الصورة التي ربما كان من حسن طالع أصحابها وصاحباتها وطالعنا أنها لم تصل إلينينا كي لا تصدم أخيلتنا وتخيّب ظنوننا، فلو أن صورة ليلى العامرية مثلاً كانت متاحة لنا تتداولها الأيدي لربما غدت في نظرنا بمقاييس الجمال في عصرنا ـ امرأة عادية أو أقل من عادية، تتفوق عليها الكثير من نجمات السينما والغناء وفاتنات الشاشات الفضية والذهبية، ولتحوّل ذلك الشعر الذي أثرى به قيس بن الملوح تراثنا العربي إلى تخاريف مجنون حقيقي جنحت به عاصفة أعمت بصره وبصيرته فحالت دون رؤيته للصورة الحقيقية لمحبوبته. ها هي «هيلد يبراندا» ابنة خال «فيرمينا داثا» بطلة قصة ماركيز «الحب في زمن الكوليرا» تذهب لرؤية «فلورينتينو اريثا» الذي كانت تهيم به ابنة عمتها فلا تكاد تتعرف عليه، إذ لم يكن فيه أي ملمح من الصورة التي رسمتها له في خيالها «فيرمينا داثا». وللوهلة الاولى رأت أنه يستحيل أن تكون ابنة عمتها قد أوشكت على الجنون في سبيل ذلك الموظف الذي لا يكاد يلفت الانتباه، والذي ـ كما تصفه ـ له ملامح كلب مضروب بالعصا، بملابسه التي كملابس حاخام منكوب، وأساليبه غير القادرة على إثارة قلب أحد. ورغم الانطباع الأول الذي تكوّن لديها عنه فقد كانت على حافة الدموع عندما خرجت من مكتب التلغراف الذي يعمل به بعد أن ساعدها في كتابة رسالة مثيرة لحبيبها الذي تركته في بلدتها. وقد قالت لابنة عمتها «فيرمينا داثا» بعد تلك المقابلة: إنه قبيح وكئيب .. لكنه ينضح حبا! إنه الحب إذن .. ذلك الرافد الأعظم للخيال .. وهو الذي يقول عنه شاعره الأشهر في عصرنا نزار: الحب في الأرض بعض من تخيلنا لو لم نجده عليها لاخترعناه فهو الاكسير الذي يغير ملامح الصورة، ويلونها ويضع حولها إطاراً جميلاً بعد أن ينثر في أنحائها أجمل الورود، ويطلق في أرجائها أعطر الروائح ويعزف أروع الألحان. إنه الحب .. وحده القادر على كسر حواجز الواقع واختراق جدران الزمان والمكان، يفسح له الخيال مساحات شاسعة من أراضيه، ويفتح له فضاءه رحباً كي يحلق في سماواته الكتّاب والأدباء والشعراء والفنانون، ليعودوا إلينا بعد تحليقهم بروائع تظل خالدة على مر الزمن، حتى لا نعود نقوى على مقاومة إغراء دعواتهم لنا بارتياد هذا العالم الساحر حيث لا تنتصب أمامنا نقاط تفتيش ولا مراكز عبور، ولا يسألنا أحد عن تأشيرات دخول ولا جوازات سفر. يحدث ذلك عندما تضيق أطر قوانين الواقع فتفرض علينا أن نخترع لأنفسنا عوالم أخرى تحلق فيها نفوسنا، نخترق النواميس .. نلغي منها ما يحول بيننا وبين الوصول إلى ما نهوى .. وهو حق مشروع ضمنته لنا أبسط قواعد العدل والانصاف. هكذا نصنع لأنفسنا عوالم افتراضية .. نرسل فيها أحلامنا، ونحيطها بسياج يحميها من أعين المتطفلين وأفكارهم وظنونهم. وكلما ضاق الواقع بأحلامنا وعجز عن تحقيق ما نتمناه، كان الهروب إلى تلك العوالم هو الحل الأسهل المتاح لنا .. لكنه الأكثر متعة والأقدر على تحقيق ما تصبو إليه النفوس، وللنفوس آمال يعجز عن الإحاطة بها الخيال .. ولذلك فهي صعبة المنال