يُخطيء توماس فريدمان كثيراً ـ وهو الذي زار طهران قبل أيام ـ إذا ظن ان الجيل الايراني الجديد الطامح للاصلاح السياسي والتغيير الاجتماعي وتالياً المجتمع الايراني ـ باعتبار ان أكثرية الشعب الايراني هم من شباب الجيل الصاعد ـ راض عن أداء الولايات المتحدة الأميركية تجاه شعوب وأمم العالم والشرق الأوسط تحديداً وانه ـ أي الشعب الايراني ـ الوحيد الذي لا يكره أميركا وبالتالي فهو متصالح معها، كما يعتقد فريدمان أو كما سمع بالاحرى من فئة قليلة منقطعة عن شعبها من النخبة الايرانية البائسة. ويخطيء أكثر إذا ظن أنه بذلك سيعود الى واشنطن حاملاً معه غصن الزيتون الايراني الى الادارة الأميركية في ظل معادلة القهر والاستعلاء والهيمنة والاملاءات التي تنبعث روائحها من دوائر شارون واللوبي الصهيوني أكثر مما تفرزها المصالح الامنية القومية العليا للولايات المتحدة الاميركية. التحامل على العرب والمسلمين ويخطيء الكونغرس الاميركي أو بعض منه من المتحاملين من اعضائه على العرب والمسلمين إذا ظنوا أنهم بهجومهم غير المبرر والظالم على السعودية والمتحامل على دينها وحضارتها وثقافتها إنما سيمكنهم ذلك من النيل من المقاومة العادلة للمسلمين والعرب لكل أشكال العدوان والقمع والاحتلال والحرب الاسرائيلية الصهيونية على الشعب الفلسطيني والمقدسات والحقوق. ويخطيء أيضاً وأيضاً الاسرائيليون إذا ظنوا باستطاعتهم تمزيق وحدة الصف العربي والاسلامي أو تشتيت جهوده ومساعيه الرامية لدعم الفلسطينيين إذا ما هاجموا مصر وقصدوا تهميشها، فمصر لا تهمش والسعودية لا تكسر شوكتها وايران لا تستمال بالكلام المعسول الملتبس والملغم. والصورة واضحة يا سيد فريدمان لمن يريد ان يفهمها ويدركها ويستوعبها كما هي لا كما يرغب ان يراها. فالأمن القومي لايران والأمن القومي للسعودية والأمن القومي لمصر هو أمن فلسطين القضية المركزية للعرب والمسلمين شاء من شاء وأبى من أبى! ومن لا يريد الاقرار والاعتراف بهذا الموقف وبهذه الصورة العميقة التي تحتل مساحة واسعة من وجدان ابناء الأمة المتوزعين على هذه الدول المذكورة أعلاه وعلى غيرها من الدول فما عليه إلا أن يعود الى قراءة التاريخ من جديد أو فلينتظر المستقبل القريب. يذكر التاريخ ليس البعيد بأن المستعمر الأجنبي البريطاني حاول فرض احتكار مادة التبغ على الشعب والحكومة الايرانية في الأيام الأخيرة من عهد ناصر الدين شاه وهو من أواخر من حكم في السلالة القاجارية الشهيرة. والقصة تدور في نهاية القرن التاسع عشر، فما كان من المربع الديني الكبير المعروف بالشيرازي المقيم في العراق إلا أن حرّم استعمال التبغ على مسلمي ايران. وبالفعل فقد لبى النداء أغلبية الشعب الايراني آنذاك. لكن الملك ناصر الدين شاه ظل يقاوم ارادة شعبه. ولما كانت الاركيلة أو الغليون أو الشيشة منتشرة شعبياً في المقاهي والبيوتات العامة فقد انقطع استعمالها وندر مع الأيام إلا في بيوت البلاط. ولكن ما ان مرت الأيام حتى فوجيء ناصر الدين شاه يوماً بأن طلبه للأركيلة أو الشيشة جوبه من قبل عمال بيته المقربين بالرفض أو بالاحرى انعدام وجودها. ولما غضب دعا الجميع اليه وأمرهم موبخاً اياهم بالرد السريع منه إلا انه سمع منهم جواباً طار صوابه منه ولم يكد يصدق بأن من أمر بتكسير كل أعداد الشيشة في البلاط هي زوجته، وانها هي التي منعتهم من تداول هذه المادة وأوقفت استعمالها بالقوة. ولما استدعاها ليطلب منها توضيحا لمخالفتها الصريحة لتعليمات الملك والسلطان الشاهنشاه الكبير ردت عليه بعبارة أطارت البقية الباقية من رشده حين قالت له: «ان من حللني عليك حرّم استعمال التنباكو أيها الشاه المعظم.. هل تعرف ذلك؟!». فما كان من ناصر الدين شاه إلا الرضوخ واصدار أوامره بالغاء الاحتكار. وهكذا نجح ما بات يعرف فيما بعد بـ «ثورة التنباكو» في ايران. نعم انها فتوى العلماء التي استندت الى طبيعة الشعب المتدين والمقاوم للظلم والعدوان على الحقوق. إنها واحدة فقط من عشرات الأمثلة التي ينبغي على فريدمان ومن ينكر مثل فريدمان ان يحللها عميقاً ويدرسها بدقة قبل ان يحكم على شعوب أمتنا الاسلامية. أمة ترفض الذل ألم نلاحظ ونشاهد جميعاً تلك الأم الصابرة وهي تودع ابنها بالابتسامة الى ساحة العمليات الاستشهادية فوق الأرض الفلسطينية وكيف استقبلته بالزغاريد وتوزيع الحلوى!! انه الإيمان بالحياة الآخرة انه الايمان بأن الشعوب لا تموت، انه الايمان والعقيدة الراسخة لدى أهلنا كل أهلنا بأنه إذا ما سدت الأبواب كل الأبواب أمامك لتصنع السلام والحياة الطبيعية المشرفة فما عليك إلا أن تعيد جمجمتك لله! نعم انه ليس انتحاراً يا سيد فريدمان ما يقوم به شباب وفتيات فلسطين. نعم، لا أحد منهم ولا منا يحب القتل والتقتيل ولا رمي الآخرين أياً كان هؤلاء الآخرين في التهلكة لأن ديننا يمنعنا قتل النفس الواحدة من غير حق أو فساد في الأرض لأن في ذلك قتل للناس جميعاً، لكنه يقول لنا أيضاً بأن من يحيي تلك النفس، وفي حالة فلسطين من يحيي الأمل المنقطع في فلسطين فكأنما يحيي الناس جميعاً. لقد قال عطاء الله مهاجراني مستشار الرئيس الايراني لفريدمان في طهران: ان رئيس جمهورية بلادك يخطيء إذا تصور العالم تكساس مكبّرة وانه جون وي مكبّر! ونحن نقول لفريدمان وللكونغرس الاميركي ولحكومة شارون: مخطئون أنتم والله إن ظننتم اننا أمة باعت دينها أو فرطت في كرامتها أو قللت من حيائها الى الدرجة التي باتت فيها مستعدة لبيع فلسطين في المزاد العلني، خاصة وان البعض منكم أو ربما جميعكم تصور للحظة بأننا انهزمنا في معركة جنين والانتفاضة. قطعاً أنتم مخطئون، ومن يملك تقويماً للموقف معقولاً ومتعمقاً سينكشف له الأمر سريعاً بأن كفة الميزان لاتزال لصالح شعب فلسطين رغم النكسات العسكرية والسياسية الظاهرة، والأهم والأخطر من ذلك كله فإن هذه الأمة لاتزال ملتزمة بدينها حتى لو ظهر لكم أو أبدي لكم خلافاً لذلك في بعض المحافل!! ومن لا يصدق ليس عليه إلا ان ينتظر وسيرى هل الشعب الايراني ـ مثلاً ـ راض فعلاً عن أميركا؟! أم انه يتوق لما هو أبعد وأعمق من ذلك بكثير؟!! ـ أمين عام منتدى الحوار العربي ـ الايراني