هل يمكن افتراض حسن النية لدى اولئك الذين يطالبون بوقف العمليات الاستشهادية الفلسطينية؟ حتى لو استبعدنا عنصر سوء النية فإننا لا يجوز ان نستبعد ـ بناء على ما هو متوافر من شواهد ـ الدوافع الذاتية المنطلقة من الطموح او الخوف. امامنا بيانان فلسطينيان هما احدث ما نشر للقدح في العمليات الاستشهادية الطمع في مدبريها ومنفذيها: بيان صادر عن شخصيات فلسطينية «بارزة» من اشهرها سري نسيبة مسئول ملف القدس في السلطة الفلسطينية، وحنان عشراوي عضو المجلس التشريعي الفلسطيني، اما البيان الاخر فقد صدر عن قمة السلطة العليا.. الرئيس عرفات نفسه. وعندما تطالع البيانين بعناية متجردة فإنك ستجد من الصعب ان تفترض توافر حسن النية. فعلى غرار ما سبقهما من بيانات وتصريحات وتعليقات عديدة من جهات مختلفة، فلسطينية وغير فلسطينية، فإن البيانين، اذ يطنبان في انتقاد نهج العمل الاستشهادي كأسلوب نضالي، يخلو تماماً من اي اقتراح لنهج نضالي بديل.. وكأن المطلوب في الحقيقة هو ان يزهد الشعب الفلسطيني في الكفاح ويستسلم لقدره.. او ما يراه اصحاب البيانين قدراً شارونياً محتوماً. الاحجام عن اقتراح وتبني اسلوب نضالي بديل هو الذي يفضح اي دعوة الى وقف العمليات الاستشهادية. ولكن هناك ايضاً دوافع ذاتية لا يجوز تجاهلها. ان شخصيات «اعتدالية» مثل سري نسيبة وحنان عشراوي تدرك اكثر من غيرها انه لا مكان لها في دولة فلسطينية مستقبلية تتحقق عن طريق المقاومة المسلحة الدموية. فالمواقع المفتاحية في مثل هذه الدولة المستقبلية ـ اذا قامت ـ ستكون حكراً على العناصر الراديكالية المنتمية الى فصائل الكفاح المسلح ـ فتح وحماس والجهاد والشعبية والديمقراطية ـ اي الجماعات التي تضطلع عناصرها وقياداتها بعبء العمل الاستشهادي الان، توجيهاً او تدبيراً. هذه الشخصيات «الاعتدالية» انفصمت عن الشارع الفلسطيني تماماً منذ اختيارها الانضمام نهائياً الى جيل «اوسلو» وفلسفة واسلوب «التفاوض السلمي» و«نبذ العنف». ومن الطبيعي اذن ان تنفر مثل هذه الشخصيات من نهج العمل الاستشهادي وتتخذ نحوه موقفاً عدائياً انطلاقاً من دوافع ذاتية. ولأن مثل هذه الشخصيات تحظى بثقة الاسرائيليين والاميركيين فانها تعلم ان طموحاتها الذاتية لن تتحقق الا في ظل دولة فلسطينية مزيفة تتشكل بناء على التصور الاسرائيلي الاميركي. اما فيما يتعلق بالرئيس عرفات وموقفه المعلن المضاد للعمل الاستشهادي فاننا نطرح تساؤلاً: هل يخشى الرئيس الفلسطيني على شعبه ام على شخصه؟ يتحدث الرئيس عن رد الفعل الاسرائيلي الانتقامي حاضراً ومستقبلاً. .وهو رد فعل يتصاعد نوعياً مع تواتر وقوع المزيد من العمليات الاستشهادية داخل العمق الاسرائيلي متخذاً عدداً من الاشكال ابرزها اعادة اقتحام مدن فلسطينية وعمليات اغتيال واعتقالات بالجملة وتشديد الحصار. لكننا نعلم ان هناك خياراً اسرائيلياً معلقاً.. ومسلطاً كسيف باتر.. وهو اقصاء الرئيس عرفات نفسه ونفيه الى خارج الاراضي الفلسطينية (التسريبات الاسرائيلية تذكر اسم قبرص). ونعيد طرح السؤال بصيغة اخرى: اي دافع اضطر الرئيس الفلسطيني الى ان يعنى باصدار بيان صريح بنفسه يدعو فيه الشعب الفلسطيني الى الاقلاع نهائياً عن تنفيذ عمليات استشهادية: هل هو الخوف على شعبه ام التحوط ضد احتمال الاقصاء والنفي؟ الاجابة عن هذا السؤال تعتمد على كيفية تفسيرنا لتلك الصفقة التي قبلها الرئيس لرفع الحصار الاسرائيلي الطويل عنه شخصياً في رام الله، نظير حصوله على حريته الشخصية وافق الرئيس الفلسطيني على ابعاد 13 ناشطاً فلسطينياً خارج وطنهم وسجن اخرين تحت حراسة اميركية بريطانية لاتهامهم اسرائيلياً باغتيال وزير اسرائيلي مع اعتقال قيادي فلسطيني بارز هو احمد سعدات الامين العام للجبهة الشعبية للاشتباه في انه العقل المدبر وراء عملية قتل الوزير الاسرائيلي. ثم ان الرئيس احجم بعد ذلك عن تنفيذ قرار من المحكمة العليا الفلسطينية يقضي باطلاق سراح ذلك القيادي النضالي. تلك كانت الصفقة التي قبلها الرئيس الفلسطيني، وهي صفقة لايزال مغزاها ساري المفعول.