وسط الظروف الصعبة والضغوط الهائلة يصبح مفهوما ان يتنصل الرئيس عرفات من مسئولية العمليات الاستشهادية التي تصر اسرائيل على تحميله اياها، وقد يكون مفهوما ايضا ـ حتى وان اختلفنا في ذلك ـ ان يطالب عرفات بوقف هذه العمليات لتخفيف الضغط السياسي عليه وحتى لا يحصل شارون على مبررات لتصعيد عدوانه على الشعب الفلسطيني.. رغم ان السفاح الاسرائيلي لا يحتاج لمبررات لارتكاب جرائمه! وقد يكون مفهوما حتى ان «يدين» عرفات العمليات التي تستهدف مدنيين اسرائيليين رغم الآلاف من الضحايا الفلسطينيين المدنيين للعدوان الاسرائيلي، وهو قول يشاركه فيه الكثيرون من الفعاليات الفلسطينية التي تعارض وجهة نظر منظمات المقاومة وترى ان الكفاح الفلسطيني يكسب اكثر بحفاظه على الاخلاقيات حتى وهو يواجه النازيين الاسرائيليين بكل وحشيتهم، وان استخدام القوة ستكون نتيجته لصالح الاسرائيليين المتفوقين في السلاح بدرجة لا تترك مجالا لانتصار فلسطيني عسكري عليهم، ورغم ان هذه النظرة مردود عليها بأن كل الشعوب التي حاربت من اجل التحرير كانت تواجه استعماراً اقوى منها واكثر تسليحاً وانتصرت عليه، وبأن من يستبيح دم الاطفال الفلسطينيين لابد ان يدرك ان اطفاله لن يكونوا في أمان، رغم ذلك فإن ادانة عرفات للعمليات الاستشهادية يمكن فهمها والتعامل معها في اطار الموقف السياسي بالغ التعقيد. لكن غير المفهوم حقاً ان يتطور موقف الرئيس عرفات اخيراً الى اعلان موافقته على ان هذه العمليات لا تدخل في نطاق الكفاح المسلح وانها ارهاب يجب وقفه!! هذه اهانة لكفاح الفلسطينيين لا يمكن تمريرها وادانة لكل فصائل المقاومة ولعرفات نفسه، الذي قاتل لسنوات طويلة حتى ترتفع البندقية الفلسطينية في وجه الاحتلال الذي مازال جاثما على الارض الفلسطينية. الارهاب الاسرائيلي ان الارهاب الوحيد الذي نشهده هو ارهاب النازية الاسرائيلية سواء بالاصرار على الاحتلال او بالممارسات البشعة ضد الشعب الفلسطيني المطالب بحقوقه، ان الاسرائيليين لا ينبغي ان ينعموا بالامن وهم يحتلون الارض العربية، واطفالهم ينبغي ان يعيشوا في نفس الظروف التي يواجهها الاطفال الفلسطينيون، والمدنيون الاسرائيلين سيكونون في امان حين يكون المدنيون الفلسطينيون في امان، هذا هو المنطق الذي تم فرضه في حرب تحرير جنوب لبنان، ورضخت له اسرائيل، ووافقت عليه اميركا وكان محور الاتفاق بين حزب الله واسرائيل لحماية المدنيين ودون ان يكون ذلك حجراً على الكفاح ضد الآلة العسكرية الاسرائيلية حتى تم طردها من لبنان. والغريب ان يصدر الموقف الجديد من الرئيس عرفات في وقت كان العالم يفتح عيونه على المأساة الفلسطينية وتزايد وعيه بالجرائم الاسرائيلية ولم يكن مطلوباً من عرفات إلا موقفا يقترب من موقف زوجة رئيس وزراء بريطانيا شيري بلير التي كان تعليقها على العمليات الفدائية الفلسطينية في نفس اليوم هو انه طالما ظل الشبان الفلسطينيون يشعرون بأنه لم يعد لديهم أمل سوى تفجير أنفسهم فلن يكون هناك أي أمل في التقدم نحو السلام. صحيح ان الارهاب الصهيوني قد أجبر الناطقة باسم رئاسة الوزارة البريطانية على التأكيد ان شيري بلير لم تكن ترمي البتة إلى تبرير عمليات «الاستشهاديين» الفلسطينيين، ولكن الرسالة كانت قد وصلت ومعها رسائل أخرى حتى من داخل اسرائيل التي صعقتها أقوال واحد من أبرز الروائيين فيها وهو الروائي يهو شواع الذي اتهم اسرائيل بالتسبب فيما وصفه بـ «الجنون الفلسطيني» وقال في محاضرة علنية: لقد جعلناهم يخرجون عن طورهم، أدخلناهم في دائرة الجنون. وتابع الكاتب: الويل لنا إذا اعتقدنا انه بعد ان تركنا وراءنا ستة ملايين ضحية في حربنا مع المسيحية، ما زلنا نملك القدرة لنترك خمسة ملايين ضحية في حربنا مع الاسلام. ودعا الكاتب إلى الانسحاب من المناطق الفلسطينية وتفكيك المستوطنات محذراً: اننا نشعر اليوم بالأمان، اننا مرتاحون ونضحك أيضاً، ولكن فلنتذكر اننا في العشرينيات والثلاثينيات شعرنا بالأمان في أوروبا وخلال 10 سنوات كنا في دار الهلاك. فهل من المعقول ان تزايد السلطة الفلسطينية على هؤلاء؟ نعرف ـ كما قلنا ـ ان الظروف قاسية والضغوط هائلة، ونتفهم وجهة النظر التي تناقش جدوى العمليات داخل حدود 48 أو تطالب بالامتناع عن استهداف المدنيين مهما كانت الاسباب أو حتى التي تطالب بوقف العمليات الاستشهادية لفتح أبواب الحل السياسي المغلقة، هذا كله يمكن مناقشته ولكن المرفوض هو ان نقف في صف واحد مع تل أبيب وواشنطن ونصف العمليات الاستشهادية بالارهاب حتى ولو كان المبرر هو المبادرة الأمريكية الموعودة التي ينتظر الجميع صدورها من الرئيس الأميركي بوش والتي يبدو اي رهان عربي عليها كالجري وراء سراب! ان ما نشر عن المبادرة الموعودة حتى الآن لا يبشر بأي أمل، فلأول مرة في التاريخ نسمع عن دولة «مؤقتة» يمنحها الرئيس بوش للفلسطينيين وتقام على المناطق أ، ب، أي على 40% من الضفة وجزء كبير من غزة مع الدعوة لمؤتمر دولي تحضره الأطراف المعنية بالسلام ودول المبادرة العربية لبحث الحلول النهائية مع الزام اسرائيل بتجميد المستوطنات تماماً، وعدم القيام بأي أعمال عسكرية داخل الكيان المقترح. وإذا كان ما نشر عن المبادرة الأميركية حتى الان صحيحاً وأظنه كذلك، فإننا أمام عملية نصب سياسي كبيرة لا تستهدف منها الولايات المتحدة الأميركية إلا شراء الوقت لكي يعود الهدوء إلى الأراضي الفلسطينية حتى تتمكن من انهاء عمليتها المرتقبة ضد العراق دون احراج للأنظمة العربية التي تدرك حرج موقفها أمام شعوبها، حين يقترن العجز عن فعل شيء للشعب الفلسطيني في مواجهة المذابح الاسرائيلية، مع الصمت المرتقب إذا وقع العدوان على العراق! ومن هنا كان الاختراع الأميركي بـ «دولة مؤقتة» حتى تنتهي المهمة في العراق، وبعدها يصبح لكل حادث حديث! فالحقيقة ان المعروض ليس إلا تغيير «اللافتة» بحيث تتحول السلطة الفلسطينية إلى «دولة مؤقتة» على نفس المساحة التي حددها شارون قبل توليه السلطة (غزة + 40 أو42% من الضفة). ولكي تكتمل «المصيدة» فقد رفض الرئيس الاميركي أي حديث عن جدول زمني للحل النهائي وعلق مصير الدولة الفلسطينية بمعايير للاداء تفرضها واشنطن بحيث يكون تحويل الدولة الى دولة دائمة مرتبطاً باصلاحات أمنية وسياسية واقتصادية في السلطة الفلسطينية ترضى بها اسرائيل وتباركها واشنطن، وهو ما يكشف نوع الاصلاحات المطلوبة والتي لن يكون لها هدف الا توفير الامن الكامل لاسرائيل والقضاء على أي قدرة للمقاومة وربط الاقتصاد الفلسطيني بالاسرائيلي أي الاستسلام الكامل ودون قيد أو شرط مع التخلي بالطبع عن أي حديث عن حق العودة أو استعادة القدس. أما المؤتمر الدولي الذي تتحدث عنه المبادرة الموعودة فلن يكون في هذه الحالة إلا محاولة للحصول على الشرعية العربية وفرض التطبيع على العرب. إن المبادرة الاميركية الموعودة لن تكون إلا انعكاساً لموازين القوى في المنطقة والتي تتسم بالاختلال الفادح لمصلحة اسرائيل، ثم بالانحياز الكامل للادارة الاميركية على حساب العرب والى جانب اسرائيل، وخلط الاوراق بعد 11 سبتمبر لكي يصبح العرب الضحايا المتهمين بالارهاب، بينما المجرمون الحقيقيون في واشنطن وتل أبيب هم الضحايا. ومع التقدير لكل الجهود السياسية والمحاولات الرسمية العربية لتوضيح الموقف للادارة الاميركية فإن شيئاً لن يتغير إلا اذا تغيرت موازين القوى، وإذا أدركت الولايات المتحدة الاميركية انها تضحي بمصالحها في المنطقة إذا استمر انحيازها الكامل ضد العرب وتواطؤها المشين مع حكومة شارون. لقد وافقت القيادة الفلسطينية في أوسلو على التنازل عن 78% من أرض فلسطين مقابل الانسحاب الى حدود 67 فكان الرد الاسرائيلي بعد ساعات هو المذبحة التي لم تتوقف حتى الآن ـ والتي تواصل الادارة الاميركية دعمها لها باعتبارها دفاعاً من اسرائيل عن النفس يستحق السفاح الذي ارتكبها أن يكون «بطل السلام» عند الرئيس الاميركي يستقبله في البيت الابيض كل بضعة أسابيع ليواصل الدعم ويكرر التأييد طلباً لبركات اللوبي الصهيوني في اميركا واعتماداً على عجز عربي رسمي اصبح حالة تستعصى على الاصلاح. حتى لو طلبه بوش شخصياً! خيار المقاومة ومع ذلك فالصورة ليست يائسة كما يروج البعض.. وطالما بقيت أعلام المقاومة مرفوعة فإن الهزيمة لن تقع، وطالما بقيت قدرة الأمة على الاستشهادية فإن النصر ـ في النهاية ـ لها، وهذا ما ينبغي أن يزعج الاعداء إن كانوا يبصرون. إن الدولة المؤقتة الوحيدة في المنطقة هي اسرائيل.. هكذا يقول التاريخ وهذا ما تفرضه الحقائق على الأرض مهما طال الطريق وعظمت التضحيات.. إن دولة بكل هذه العنصرية وبكل هذه الوحشية النازية تحفر قبرها بيدها، وكلما زادت غطرستها كلما قربت نهايتها. وفي ظل هذه الرؤية ينبغي أن ندير الصراع، وألا نتوقع من الطرف الآخر ـ أميركياً كان أم اسرائيلياً ـ أن يتبرع لنا بسلام عادل يعيد الأرض ويحفظ الحقوق ويحرر القدس من أسرها. سيطرح بوش مشروعه، ولن يكون فيه طريقاً حقيقياً للسلام، بل طريقاً لضرب المقاومة واهدار ما تبقى من حقوق فلسطينية وفرض الحل الاسرائيلي، وشراء عامين او ثلاثة من الهدوء يتم فيه استكمال المخطط الاميركي لأوضاع المنطقة بما فيها ضرب العراق واخضاع سوريا وتفكيك دول عربية واخضاع الجميع للهيمنة الاميركية ـ الاسرائيلية. ان الرهان على حل «مؤقت» مهما كانت الاغراءات خطأ كبير، والارتكان لضمانات اميركية هو ارتكان على وهم. فأمريكا لن تضمن الا المصالح الاسرائيلية. وتقديم العرب للتنازلات المجانية لن يؤدي الا لتدهور الاوضاع والطريق واضح: لقد قدم العرب اقصى ما يمكن من تنازلات في مبادرة بيروت وكانت النتيجة مذبحة اسرائيلية للشعب الفلسطيني ما كان لها ان تحدث او تستمر الا بالتواطؤ الاميركي.. واذا كانت واشنطن تبحث حقيقة عن حل فالطريق واضح.. ايقاف العدوان الاسرائيلي، وتبني المبادرة العربية التي طلبتها واشنطن ثم تجاهلتها، والاعلان عن دولة فلسطينية في حدود 67 بما فيها القدس العربية وانسحاب اسرائيل من الجولان ولبنان. وبعدها يكون التفاوض لوضع الترتيبات ضمن جدول زمني محدد. هذا هو الطريق الذي لا يبدو ان الادارة الاميركية مستعدة للسير فيه حتى الان. وحتى تكون واشنطن مستعدة فإن اي حديث عن وقف المقاومة هو جريمة لا تغتفر. فالمطلوب هو توسيع المقاومة ودعمها بكل الامكانيات حتى ترضخ اسرائيل، وحتى تدرك واشنطن ان مصالحها في المنطقة ـ وأولها اسرائيل نفسها ـ في خطر. وساعتها ستبحث اميركا عن رؤية لسلام حقيقي، وليس عن طريق لخداع العرب كما تفعل الآن. ـ نائب رئيس تحرير «اخبار اليوم» المصرية