بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر شهدت الساحة الثقافية العربية تحركاً محدوداً في اتجاه التعريف بموقف الاسلام من الحضارات الاخرى. وكانت جمهورية مصر العربية سباقة في هذا التحرك المطلوب، ثم تبعتها بعض الدول العربية في حملة اعلامية يراد لها ان تساهم في تخفيف حدة التوتر العالمي تجاه ما هو شرق اوسطي او اسلامي. ورغم القيمة الحضارية لمثل هذا النشاط الثقافي والتوعوي تجاه التعريف بالموقف المتقدم والمسئول للفكر الاسلامي تجاه شعوب العالم، وثقافاته المختلفة إلا ان تلك الحركة التي قادها رموز الفكر المعتدل من المثقفين العرب ليست سوى خطوة أولى لمشروع ينبغي ان يكون عملاقا وقويا ومنطلقا من خطة استراتيجية طويلة الامد سريعة الخطوات من اجل اللحاق بعجلة الزمن التي تمضي في اتجاه تكريس روح العداء، تجاه الاسلام والمنطقة العربية. ولان المواقف العقلية هي التي توجه السلوك والافعال فان الاشتغال بتحسين صورة المسلمين والاسلام يعتبر فعلاً مطلوباً ويندرج تحت راية المقاومة الثقافية التي غدت مطلباً لا يمكن اسقاطه او تنحيته، بعد أن فرغت اجندة العمل الرسمي من خيارات عديدة كان يمكن ان تقوي الموقف العام للمشهد السياسي والحضاري الذي يعاني من الضعف والتدهور. من الخطوات الجيدة التي تحققت في هذا الاتجاه، رحلة المفكر الاسلامي د.كمال ابو المجد الى الولايات المتحدة بتكليف من الحكومة المصرية من اجل التأكيد على ترحيب الاسلام بالحوار مع الحضارات الاخرى على عكس ما يروج عالميا من قبل الفكر المضاد الذي ينفي الآخر، ويدعو الى الصراع بين الحضارات، وهو ما روج له الكاتب صموئيل هنتينجتون في كتابه «صراع الحضارات» حيث نظّر من خلال طرحه المتعصب لحتمية الاشتباك والتصادم مع الحضارات الاخرى. لقد تميزت رحلة هذا المفكر العربي بمصداقية لمسها المتابعون لها حين كان الرجل الثاني في تلك الرحلة هو «حنا مينة» المعروف بانتمائه لعروبته ولدينه المسيحي دون ان يصادف اي مشكلة في الحفاظ على خطه الديني الى جانب محافظته على توجهه القومي، وهو يجسد بذلك الدليل العملي على عالمية الدين الاسلامي، واحترامه للعقائد الاخرى، والتزامه بمباديء العدالة تجاه كافة الناس.لقد استطاعت الشخصية المسيحية ان تحافظ على هذين البعدين في داخلها، بُعد الانتماء للدين المسيحي، وبعد الانتماء للوطن المصري طيلة اربعة عشر قرناً من الزمان، نعمت فيه بالطمأنينة والامان، وحافظت هذه الشخصية على انتمائها الديني دون ان تتدخل الحكومة المصرية على مدى القرون الطوال في التضييق عليها او في المساس بحقوقها المدنية او الدستورية.واذا علمنا ان النسبة الحالية التي تمثل عدد الاقباط في مصر هي 6%، وان نسبة عدد المسلمين 94%، وان العدد الكلي للسكان يتجاوز السبعين مليون نسمة، فانه يحق لمصر ان تتباهى بهذه التجربة الرائدة، وان تقدمها للعالم المتمدن على انها شاهد ودليل على سماحة الاسلام واحترامه للعقائد الاخرى. وهو الامر المطلوب كشفه وإيضاحه من خلال المبادرات الجادة التي يرجى لها ان لا تتراجع او تتوقف عن اتمام دورها المنشود. بعد هذه الرحلة المشتركة بين مفكرين عرب ومسيحيين عرب الى الولايات المتحدة توالت المشاركات الرسمية التي يقودها مفكرون معتدلون من اجل ايصال صوت الحق الى من هم بحاجة الى سماعه، فكان مؤتمر الرباط الذي انتهت اعماله منذ فترة وجيزة وشارك فيه شخصيات عربية اسلامية ومسيحية اكدوا على ضرورة العمل الرسمي والشعبي في اتجاه كشف الحقائق المرتبطة بالجهة التي ترعى الارهاب وتمارسه في كل لحظة، وتصدره للعالم على نحو لم يشهد له التاريخ مثيلاً.. هذه هي المهمة المقبلة التي يجب الاسراع فيها وتقديمها للناس. مهمة التعريف بان العقل الصهيوني هو المتهم بالارهاب، بينما العقل المسلم هو الذي يبادر الى تجفيف منابع الارهاب.