المونديال ظاهرة عالمية جديرة بالتأمل من حيث سطوتها على استقطاب البشر فوق حواجز الجغرافيا والتاريخ والسياسة والاقتصاد وتذويب التباينات الإثنية والثقافية. المونديال ذروة الافتنان الجارف بكرة القدم إذ لا يستثني فئة ويغرق فيه ـ بدرجات متفاوتة ـ الأثرياء كما الفقراء، المثقّفون والدهماء، أرباب العمل والعاطلون، الفنانون والمجرّدون، والمؤمنون والملحدون. مباراة كرة القدم تشكّل دراما حياتية بكل ما في حياتنا من جهد وبذل وأمل وفوز وعثرة وخيبة وهزيمة. وهي لعبة أساسها الموهبة التي تُصقل بالتدريب والممارسة، ورغم أنها تعتمد على الأقدام إلا انها خاضعة للدماغ. كرة القدم تمنح اللاعب كما المشجع إحساساً بالمتعة المتبادلة دون شروط إلا الحب. فاللاعب يُمتع ذاته بقدر ما يمتع الجمهور، والمشجعون يصعدون بالإمتاع وفق عطاء اللاعب في الميدان وليس خارجه. مُعظم النجوم الذين يتألقون في الملعب قادمون من أزقة وطبقة اجتماعية متوسطة أو أدنى من ذلك، ولهذا فليس لديهم من سطوة على جمهورهم ولا يُمارسون ضغوطاً لانتزاع الإعجاب إلا بقدر ما يملكون من مهارات. حين يلجأ لاعب محبوب إلى الخروج عن قواعد هذه العلاقة يفقد حتماً من رصيده لدى المشجعين، قليلُ عدد النجوم الذين يخذلون جمهور عشّاقهم، مقارنة مع النجوم الذين دأبوا على الخذلان في مدارات وأفلاك أخرى خاصة في السياسة. الأصل في العلاقات بين الجمهور واللاعبين بناؤها على أساس طوعي ينبع من الاعجاب ويتدرج في مصاف الحب المشترك إلى ذروة الانتماء الذي يغلب عليه التعصب والتطرف غالباً، لكن هذه العلاقة ذاتية محضة لا يملك طرف إملاءها على طرف آخر بالقوة. اختيار المشجع للنادي تتحكم فيه عناصر متشابكة ومبهمة منبتها اللاوعي ولا تخضع للمنطق غير أنها تصبح علاقة عفوية ينتزع فيها المشجع حق محاسبة إدارة النادي ونجومه، ولا تملك الإدارة والنجوم حق محاسبة الجمهور أو القدرة الفعلية على ذلك. ميادين كرة القدم أكثر البؤر استقطاباً للجمهور عبر المعمورة، كل الفئات تتلاقى هناك، صبية وشباب وطاعنون في السن. ومن مختلف المدارج الاجتماعية رجالاً ونساءً، على ضفاف الدراما الكروية تمنحنا المبارة شعوراً عميقاً بالانفعال الحياتي حتى لكأن الجمهور دخل بروح القطيع مداراً خارج همومه اليومية. على مدى 90 دقيقة يندغم المتفرج، الفرد في روح الجماعة فتخّتلج كتلة بشرية بلا مثيل في الإحساس والانفعال المشترك دونما تمايز طبقي أو اجتماعي. هذا التحقق الجماعي على ضفاف الملاعب أصبح شعوراً إنسانياً نادراً يبلغ ذروته لدى لحظة الإحساس بنشوة الانتصار، حين يلج الشباك هدف في مرمى الخصم ويضرب بسفح الخيبة كذلك هدف مباغت داخل شباك الطرف نفسه، غير أن هذه الكبوة لا تغيّب القيمة الإنسانية المتمثلة في التماهي الجماعي المؤقت. كرة القدم لعبة جماعية أكثر من غيرها ـ حسب معلوماتي الرياضية ـ إذ لا يبلغ أعضاء فريق أي لعبة أخرى أحد عشر لاعباً. ومن ثم فإنها تمنحنا انموذجاً للأداء الجماعي في أبهى أشكاله فتحرّضنا على التعاون. النبوغ الفردي في الكرة شرط غير أنه لا ينجح خارج العمل المشترك، ويمكن للجماعة تهشيم النابغ الذي يحاول التغريد خارج السرب. كما في السياسة أفسد قادة أركان الإدارة بهجة اللُعبة إذ عمدوا الى استثمارها لمصالح شخصية وتحولت في خضم الثقافة الاستهلاكية إلى تجارة ثم أصبحت صناعة، فتحوّل النجوم النابغون سلعاً للبيع والشراء، وغدت أندية بحالها مؤسسات تجارية. الجمهور وحده يصرّ على الاحتفاظ للعبة ببهائها الممتع فيدفع من أجل النشوة الجماعية المؤقتة بسخاء. في المونديال ليس بالضرورة أن يكون للجمهور منتخب وطني للتلذذ بحلاوة الكرة وسحرها. الجمهور يمارس حقه المطلق في الاختيار الطوعي فيفضل البرازيل على اسبانيا انطلاقاً من اللعب الجميل ويفرح لخروج انجلترا وأميركا باعتبارهما رأس محور الشر ويراهن على السنغال حباً في ثأر العالم الثالث من الكبار. كرة القدم تمنحنا فضاءً عريضاً للتنفيس والاقتصاص وفرص العدالة الدولية ولو في حيز زمني ضيق. تحت الضغوط الكثيفة الممارسة على الروح الرياضية يجسّد احتكار البث التلفزيوني للمونديال أحد وحوش العولمة التي تنهش أجمل ما تبقى لنا.