دأبت الدوائر السياسية الفلسطينية المتنفذة منذ اندلاع فعاليات انتفاضة الأقصى، على الظهور بمظهر الوسيط بين سياستين ، إحداها متطرفة تمثلها القوى الوطنية والإسلامية غير المنخرطة بالعملية السلمية، والأخرى سياسة العدوانات الشارونية المتكررة التي طالت الحجر قبل البشر، انطلاقاً من أن هذه السياسة هي وحدها الأقدر على إدارة عملية الصراع على المستويين السياسي من جهة والميداني من جهة أخرى. لكن بعيداً عن صحة هذه التكتيكات أو عدمها، فإنها قد خلقت مناخاً مواتياً في اغلب الأحيان أمام السياسات الشارونية المتطرفة التي تمارس إرهاب الدولة المنظم، لدرجة وصلت هذه السياسة - الفلسطينية - إلى خسارة الكثير من الرهانات على مواقف العديد من الدول ذات القوة والنفوذ الدوليين. بمعنى آخر بدلاً من تسخير كل هذه الخروقات لمصلحة الطرف الفلسطيني والعربي، ساعدت هذه السياسة بقصد أو بدون قصد، ليس مهماً، على دمغ القوى الفلسطينية بوصمة الإرهاب، وبموازاة ذلك أعطت لشارون مساحات من حرية التحرك باعتبار أن كل ما يمارسه هو جزء لا يتجزأ من المنظومة الأمنية الدولية لمكافحة الإرهاب، التي رسمت بعد أحداث 11سبتمبر. أكثر من ذلك أصبح المتتبع ومن خلال هذه السياسة الفلسطينية المتبعة، يرى بما يسمى بالإرهاب الفلسطيني حقيقة على الأرض عند كل الدوائر الغربية بلا استثناء وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية التي ما انفكت عن المطالبة باجتثاث التطرف الفلسطيني، والتي شرعت كل ما يقوم به الجيش الإسرائيلي من قتل وتدمير واستخدام حتى الأسلحة المحرمة دولياً دون أية انتقادات تذكر، سوى بعض الأصوات الخجولة التي تصدر بين الفينة والأخرى عن هذه الدولة الغربية أو تلك، والتي تأتي تلبية لبعض الصيحات الداخلية ، أي أنها تنطلق من مواقف موسمية ليس إلا. ولعل شرعنة هذا الأمر جاء من تكرار الانتقادات وبيانات الشجب الكثيرة من قبل السلطة، دون أية فائدة سياسية تذكر بل تزيد من إمعان شارون ومؤسسته العسكرية في ديمومة اجتياحاته التي ما تنتهي في ساعة المساء حتى نفيق عليها في صبيحة اليوم التالي، أي أن هذه السياسة العدوانية أصبحت نهجاً في السياسية الإسرائيلية، قبالة ذلك أصبح الشجب الفلسطيني للبعض الفلسطيني هو الآخر نهجاً، لدرجة غابت معها الاجندة الفلسطينية في البحث عن الطرق والوسائل لحمل إسرائيل على تطبيق قرارات الشرعية الدولية، بداية بالقرار 194 مروراً بالقرارين 242و338وانتهاء باتفاقيات أوسلو وواي ريفر والخليل وحتى خطة تينيت وتقرير ميتشل والأمر حدث ولا حرج. لكن بعيداً عن التوصيف وطرح الوصفات الجاهزة، التي أصبحت أكثر من أن تحصى في سوق الوصايا السياسية، بات لزاماً علينا فلسطينيين وعرباً، البحث عن آلية سياسية توافقية ترى من خلالها مصلحة الفلسطينيين والعرب على حد سواء وأن لا يقوم واحد على حساب الآخر، بهدف الخروج من عنق الزجاجة والتطلع إلى مستقبل أفضل في غمرة الزحام الحاصل عالمياً، أي القفز ولو قليلاً عن معادلة قميص عثمان. لكن هذا يتطلب جملة من الإجراءات والثوابت السياسية التي تتلخص على الصعيدين العربي والفلسطيني، بالتالي: أولاً: ضرورة أن تتوحد الرؤى السياسية حول سياسة إسرائيل الراهنة، باعتبارها لن تؤدي بأي شكل من الأشكال إلى التوصل لحلول سياسية مرضية مع العرب والفلسطينيين، وهذا يتطلب وقف كل الاتصالات مع الحكومة الإسرائيلية الحالية، بصرف النظر عن التبريرات التي في أغلب الأحيان تزيدها صلفاً وغطرسة ليس لهما مثيل. أي تعميم الحقيقة القائلة بأن إسرائيل لم تنضج بعد لإنجاز صفقة سياسية ولو بالحدود السياسية الدنيا المطروحة فلسطينياً وعربياً على حد سواء. وطالما ان العرب أسقطوا من أجندتهم أية عملية صراعية، وبقوا في إطار العملية السياسية - الدبلوماسية، فهناك ضرورة لنقل القضية من أروقة البيت الأبيض إلى المؤسسات الدولية وفي المقدمة منها مجلس الأمن والجمعية العمومية، أسوة بباقي القضايا الدولية. لتصبح بعد ذلك مخاطبة إسرائيل من خلال هذه المؤسسات كما حصل في البوسنة والهرسك وفي قضية تيمور الشرقية، بهدف التوصل إلى وضع الأراضي الفلسطينية تحت إشراف الأمم المتحدة كمقدمة لاعلان الاستقلال الفلسطيني. خاصة بعد الزيارة التي قام بها الرئيس المصري محمد حسني مبارك إلى الولايات المتحدة بهدف دفع الرئيس بوش لاعلان دولة فلسطينية، كخطوة اعتراضية على سياسة الانتهاكات الإسرائيلية لاراضي السلطة الفلسطينية، لكن الولايات المتحدة رفضت هذا العرض على لسان رئيسها في المؤتمر الصحفي المشترك مع الرئيس مبارك في منتجع كامب ديفيد، بل ورفضت مجرد وضع برنامج زمني لما يسمى بالحلول المطروحة. ثانياً: إعادة الاعتبار لمؤسسات الجامعة العربية، مع ضرورة إعطائها الصفة الإلزامية للفرقاء المتعاقدين، بصرف النظر عن الأدوار الإقليمية لهذه الدولة أو تلك، باعتبار أن هذا الأمر هو وحده الكفيل بتوحيد السياسات العربية إزاء كل القضايا المطروحة على الجانب الفلسطيني، وبما يؤدي إلى وقف العبث السياسي الذي نشهده بين الفينة والأخرى. بموازاة ذلك تأتي هذه الخطوة تحصيناً للسياسة الفلسطينية، رغم الممارسات الإسرائيلية الفاشية المتبعة ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبما يؤمن انتهاج سياسة فلسطينية واضحة سعياً لنزع الشك الذي غزا القلوب قبل العقول، خاصة بعد الكثير من الصفقات الإجرائية بأبعادها الأمنية فلسطينياً، التي عكست بظلالها الكثير من المواقف السلبية بين صفوف الشعب العربي بعد أن انتصر لقضية الشعب الفلسطيني باعتبارها قضية الأمة. ثالثاً: الأهم مما تقدم، انه بات لزاماً على صانع السياسة الفلسطينية البحث الجاد بهدف توحيد الموقف السياسي الفلسطيني، والذي لن يتأتى إلا بتبيان أن المعادلة القائمة على الأرض الفلسطينية تقوم على أساس محتل وضحية للاحتلال، وليس بين حكومة شرعية وبين السلطة الفلسطينية التي لم تتضح معالمها بعد. وأنه في حال تجاهل السلطة من قبل هذا المحتل يصبح لزاماً عليها - السلطة الفلسطينية - عدم الاعتراف بها إلا كسلطة احتلال يجب مقاومتها في أمنها واستقرارها وبقائها، وتصبح المحددات السياسية للسلطة الفلسطينية هي بمقدار انصياع الطرف المحتل لضروراتها الوطنية في الاستقلال والتحرر والانعتاق.أي السماح للرد الفلسطيني بغض النظر وعن نوعية الأهداف والأدوات المستخدمة في رد العدوان، بصرف النظر عن التقسيمات الجغرافية التي أوجدها الاحتلال قسراً على الأرض الفلسطينية. بالإضافة إلى إبراز حق عودة اللاجئين واعتبارها قضية صراعية تطال كل المواقع التي طرد منها هؤلاء اللاجئون، أي أن كل الأراضي التي لا تزال في إطار أملاك اللاجئين هي ساحة حرب بين الفلسطينيين والإسرائيليين. دون ذلك، وبعيداً عن التخويف أو التبشير، سنشهد حرباً بين القوى الفلسطينية بداية من المنابر الإعلامية وانتهاء باستخدام كل الأسلحة الفتاكة، التي لم نشهدها من قبل حتى لحظة تدمير مخيم جنين والحي القديم في نابلس، وسنفتقد بعد ذلك بكل تأكيد وحدة جدار الصد المقاوم فلسطينياً. لكن السؤال هل سنبقى نرحل مشكلاتنا لتصل إلى الحلول المستحيلة.. أم أننا سنشهد وحدة للموقف السياسي الفلسطيني الذي سيكون بمثابة عامل مساعد لموقف سياسي عربي موحد؟ ـ كاتب فلسطيني