حين كتب تقي الدين المقريزي كتابه بهذا العنوان سنة 808 هجري، كان يريد تأليفاً يجمع بين ذكر التاريخ والمحن التي مرت بها مصر، خلال المراحل العسيرة من ماضيها، وبين الاعتبار بالاحداث وتحليل اسباب المجاعات الطبيعية والسياسية واستعراض مواقف الملوك والخلفاء من فساد بعض الناس. وانتهى الى الاستنتاج بأن «على الناس المقاومة والصبر واحتمال المكاره الى ان تنقشع الغمة عن الامة..». ونحن حين نستعير عنوان كتابه بعد ستة قرون فلأن الامة تغيرت عليها الغمة واتخذت اشكالاً اخرى، ورغم ان وسائل الاتصال الحديثة تزين لها احوال الغمة وتلهيها عن مواجهتها وتنسيها ضرورة الاعتبار بها، فنحن احوج ما نكون للعمل الصالح والكلمة الطيبة حتى تنقشع الغمة عن الامة حتى لو دفعنا ثمن ذلك غالياً. وخلاصة القول هو ان المشهد الفلسطيني الراهن لا يسر، وهو مشهد محير في احسن الاحتمالات. فنحن ننتظر بيان الرئيس الاميركي بوش الذي سيقرر مصير فلسطين والمنطقة، ولدينا بعض الاطمئنان لأن احد مراجع الرئيس بوش هو لقاؤه مع الامير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد السعودي منذ شهر والذي تلاه في واشنطن لقاؤه مع الامير سعود الفيصل وزير خارجية المملكة، ونحن نعلم ان الرئيس بوش لابد سمع من الرجلين قولاً حكيماً لانهما ينطقان بعد قمة بيروت باسم جميع العرب الذين تبنوا افكار الامير عبدالله الواضحة الشاملة حول حل المعضلة الفلسطينية، ثم لان الرجلين ينتميان الى اسرة والى دولة والى منطقة تعودت اميركا منها الصراحة في التعبير والتوازن في الطرح والثبات على المبدأ، كما ان الرئيس بوش التقى الوزير نبيل شعث وهو يتميز بقربه من الرئيس ياسر عرفات وبعده عن الصراع الفلسطيني الداخلي من اجل المصالح أو المواقع. ولذلك فنحن ننتظر من الرئيس بوش ان يقدم حلولاً ترتكز على الشرعية الدولية، بدءاً من القرار الاممي 194 الى القرار 1402 مروراً بالقرارات 242 و338 وهي التي يعتبرها العالم ـ ما عدا اميركا واسرائيل ـ اساساً أمميا شرعياً لحلول ممكنة وعادلة ودائمة. ثم ان كل مخطط لا يراعي هذه القرارات هو مجرد التواء على القانون الدولي، وقد شبع العرب مخططات من هذا النوع، بدءاً من المناداة بالاصلاحات كأنها قضية دولية بينما الاصلاحات الفلسطينية شأن داخلي مثل كل اصلاح في اية دولة.. ومروراً باعلان دولة «مؤقتة» لم نسمع بمثلها في آبائنا الاولين.. فالدولة هي بناء دائم راسخ، اما الحكومات فيمكن ان تكون مؤقتة. ما معنى دولة «مؤقتة»؟ أو مؤجلة او مشروع دولة..؟ ثم «مؤقتة الى أي وقت؟ فكل مؤقت يخضع لوقت. ولذلك عندما يدعو نبيل شعث اليوم لوضع اجندة بتواريخ لتأسيس دولة فلسطين وتوضيح صلاحياتها وحدودها، فهو في الواقع يطالب بحق مبدئي مشروع، من حق اي شعب حسب بنود ميثاق المنظمة الاممية ان يطالب به. فقد صرح بوش وتبعه كولن باول مرات عديدة بضرورة قيام دولتين كما جاء في قرار التقسيم لنوفمبر 1947، ولكن واشنطن كأنما تقر رفض حزب الليكود بزعامة نتانياهو لقيام دولة فلسطينية.. بالفعل لا بالقول، فالانطباع السائد لدى الرأي العام الدولي هو ضوء اميركي اخضر لعمليات الابادة والاغتيال والتجريف والتدمير التي يقوم بها في الميدان شارون دون رادع ودون وازع، وذلك سيجعل امر الدولة الفلسطينية القادمة ضربا من ضروب الوهم لانها ستكون دولة بلا بنية تحتية.. ولا حتى فوقية. واذا وضعنا معضلة فلسطين الاقليمية في اطارها العالمي الواسع، فسنجد بأنها اصبحت حلقة من سلسلة كبرى من المخططات الجهنمية الساعية الى تكريس القوة الغاشمة العمياء على حساب الحق والقانون. فقد استعمل شارون مصطلحات الحرب ضد الارهاب للقياس وسوق للرأي العام العالمي حملته المسحورة على انها مواصلة وتكملة لما بدأه الرئيس بوش في افغانستان، وهو منطق شرير ومدروس يقصد غسيل الادمغة في العالم وجعلها تتقبل التطهير العرقي والتمييز العنصري ورجوع الاستعمار كأنها مخططات ينفذها محور الخير ضد محور الشر، ثم انطلق نفس السيناريو على الصراع الباكستاني الهندي حول اقليم كشمير كمرحلة ثالثة من مراحل المخطط الجهنمي الذي يستهدف قضايا المسلمين، فسمعنا نفس المصطلحات ونفس الشعارات. وهكذا دواليك، حتى اقتنع الرئيس الرئيس الروسي بوتين بأن حربه ضد شعب الشيشان هي كذلك حرب ضد الارهاب وانضم بوتين الى المخطط. والغريب في ظاهرة 11 سبتمبر 2001 انها ظاهرة تتجاوز السياسة والاستراتيجية لتكون ظاهرة كونية مع ازدهار العولمة، فالمطلوب ليس القضاء على المقاومة الفلسطينية بل القضاء على ثقافة المقاومة ومما يدعونا الى اعادة كتابة تاريخنا العربي الاسلامي وتاريخ الانسانية كله حسب قواعد اخرى مختلفة، ونحن مدعوون الى نسيان واقع الاستعمار والتنصير والصليبية ومسحها من برامجنا التربوية وأدبياتنا، والاستعاضة عنها بنظرياتهم وكتبهم والعابهم الالكترونية حتى نصبح مواطني العولمة النبهاء النجباء. ومدعوون الى نسيان تراثنا وامجادنا وقيمنا لننخرط في عولمة المستسلمين المهزومين المجتثين المقطوعين عن جذورهم والضالين بلا مدى.. لنكسب رضاهم ونعلق على صدورنا اوسمتهم ونرفع اعترافهم بنا علماً وراية. انها مخططات حضارية كبرى.. قد اغتر بها قوم فرحون لم يشعروا بفداحة هذا المنعرج الخطير في حياة الامة، فانساقوا عن قصد او عن حسن نية ينصحوننا بالواقعية.. والواقعية لديهم هي الرضى بالواقع المفروض، والواقعية لدينا هي تغيير الواقع المرفوض وشتان ما بين النظرتين، وشتان بين ما ينفع الناس وبين ما يذهب جفاءً. ـ استاذ في قسم الاعلام ـ جامعة قطر