مهلة عشر سنوات مبرمجة ربما تكفي لتفريغ الضفة الغربية من السكان الفلسطينيين طوعاً أو كرهاً. هكذا يخطط اليمين الاسرائيلي للمستقبل سواء على يد أرييل شارون أو من يخلفه في القيادة، وكل ما يروج له رجال الادارة الأميركية من اقتراحات لتأجيل قيام دولة للفلسطينيين مع تأجيل البت في قضايا «الوضع النهائي» للأراضي المحتلة، ليس سوى حيل منمقة النسج بغرض تمكين اسرائيل من شراء الوقت لاستكمال برمجتها الخطيرة. أجندة البرنامج الذي وضعه شارون تتكون من العناصر الرئيسية التالية: ـ التوسع في بناء المستوطنات اليهودية حتى تغطي معظم مساحة الضفة. ـ استيراد مليون يهودي من شرق أوروبا وغربها وأميركا اللاتينية لابقاء الميزان الديمغرافي لصالح اسرائيل. ـ استكمال خطة تقسيم الضفة إلى ثمانية «كانتونات» للسكان الفلسطينيين معزولة عن بعضها البعض تماماً. تنفيذ هذه البنود على الأرض بالكامل ليس هو نهاية القصة، فالمقصود بهذه الخطوات ان تقود إلى الهدف الأعظم بصورة عملية، وهو تفريغ الضفة من الفلسطينيين بالجملة، فالمأمول هو ان جموع الأسر الفلسطينية قد تضطر للتفكير في الرحيل بعد عمليات هدم المنازل وتخريب المزارع وما يتبع ذلك من مصادرة الأراضي السكنية والزراعية بالاضافة إلى الحصار الاقتصادي والتجويع والبطالة.. إلخ. ان اجندة برنامج شارون ليست تهويمات نظرية وإنما هي واقع على الأرض قيد التنفيذ بينما تشغل قيادة السلطة الفلسطينية نفسها بتدبيج بيان الادانة للعمليات الاستشهادية وتنغمس أطراف عربية في مجادلات «الدولة المؤقتة» و«المؤتمر الدولي». دون إعلان رسمي أنجزت حكومة شارون خلال اقل من ستة أشهر منذ مطلع العام الجاري بناء 35 مستوطنة جديدة في الضفة ولا تزال مناقصات بناء المزيد تنشر من حين لآخر. وبينما تجري عمليات البناء الاستيطاني يتعاظم الترويج الاعلامي على خط موازٍ لمشروع الدولة الفلسطينية المؤقتة بما يتلاءم مع أجندة شارون الاستيطانية تماماً، فيما يطرح أميركياً وتتجاوب معه أطراف عربية تقوم أيضاً بتسويقه عربياً ودولياً هو تحديد نسبة 40 في المئة من مساحة الضفة لتقوم عليها الدولة المؤقتة، فنسبة الستين في المئة هي في الحقيقة الرقعة الأرضية التي يستهدفها شارون للتوسع الاستيطاني من رؤية «توراتية» بأنها تاريخياً أرض يهودية بموجب «حق إلهي». ثم ان التوسع في بناء المستوطنات يتطلب استجلاب المزيد من البشر اليهود وشارون نفسه لا يخفي خطة لاجتذاب نحو مليون يهودي بالاستفادة من تنامي الشعور «المعادي للسامية» في أوروبا والتدهور الاقتصادي طويل المدى في بلدان أميركا اللاتينية كالارجنتين مثلاً. وللبرنامج الشاروني بنود أخرى.. ربما تكون أقل استعجالاً لكنها ليست بأقل أهمية، من ذلك الاستيلاء نهائياً على شريط أرضي في غور نهر الأردن يمتد عمودياً بطول الضفة الغربية للنهر وبمحاذاتها، وبعين أمنية تهدف الخطة الأمنية الشارونية في هذا الصدد إلى عسكرة هذا الشريط الأرضي ليكون خط دفاع أول عن اراضي الضفة «التوراتية». ويخطئ من يظن ان اليمين الاسرائيلي تخلى عن مشروع «الوطن البديل» و الاسم كناية عن ان الأردن (أو بالاصح شرق الأردن) هو الوطن الأصلي للفلسطينيين، وكل التدابير التي تنطوي عليها أجندة شارون هي في الحقيقة معالم على طريق يجب ان يقود في النهاية من منظور اليمين الاسرائيلي إلى الترحيل الجماعي للفلسطينيين إلى الأردن. انه برنامج ضخم وطموح، ولأنه كذلك فإن استكمال تنفيذه يتطلب توفر شرطين: الوقت والهدوء. وفي تقدير شارون ومستشاريه فإن الوقت المطلوب يقدر بنحو عشر سنوات. وهذا هو بالضبط معنى ما يعرضه شارون على القيادة الفلسطينية فهو يقترح ان يوقع الطرفان على اتفاق أمني طويل المدى يسري لمدى عشر سنوات أو نحو ذلك قبل ان يقبلا على التفاوض بشأن التوصل إلى تسوية سياسية نهائية. والاتفاق الأمني طويل المدى يعني توفير «الهدوء» وتوفير الهدوء يعني من المنظور الشاروني ان تتفرغ السلطة الفلسطينية بأجهزة أمنها للقضاء المبرم على المقاومة الشعبية. وهذا هو مشروع «الدولة الفلسطينية المؤقتة»، أو المرحلية أو الانتقالية.. سمها ما شئت.