في تلك اللحظة تمنيت أن ألغي حواسي الخمس.. وأختم على ذاكرتي بالشمع الأحمر.. واعتزل الدنيا في كهف بعيد.. أو جزيرة مهجورة.. أو صحراء قاحلة.. قاتلة.. لا يصل إليها بشر.. في تلك اللحظة شعرت برغبة ضاغطة عارمة ملحة بتمزيق كل مايربطني بجنس الإنسان.. جواز سفري.. فصيلة دمي.. أحلام عمري نبضات قلبي.. دموع عيني.. وأشواك ضميري.. في تلك اللحظة تذكرت ذلك المشهد الخرافي الذي رسمه صلاح عبدالصبور في احدى قصائده وبدت فيه رؤوس الحيوانات فوق أجساد الناس ورؤوس الناس فوق أجساد الحيوانات.. ورحت أتحسس رأسي.. في تلك اللحظة عرفت كيف احتكرت الأجهزة الخفية تجارة ابتلاع الأسياخ المشتعلة التي تبدأ بالنشوة وتنتهي بالغيبوبة.. وبينهما شعوب وقبائل وجيوش من المخدرين.. المأفونين.. الشمامين.. المنومين.. المهبولين.. المجذوبين.. المسحوقين.. الضائعين. في تلك اللحظة التي انتهيت فيها من ذلك الكتاب الضخم (نحو 500 صفحة) أحسست أن كل كلمة فيه تفتح أزرار قميصي وتغرز أظافرها الطويلة في صدري.. وتصر على قتلي.. ومص دمي.. أو تلويثه بمسحوق الهيروين أو الكوكايين كي أصبح في النهاية جثة مشوهة بين الحياة والموت ملقاة بلا قيمة في صندوق قمامة تعبث فيه القطط والفئران.. الكتاب يكشفه بسهولة عنوانه: (التحالف الأسود - وكالة المخابرات المركزية والمخدرات والصحافة).. كتبه.. أو كشفه (الكسندر كوليرن وجيفري سانت كلير) وترجمه الى اللغة العربية (أحمد محمود) ونشره المجلس الأعلى للثقافة ضمن مشروعه القومي للترجمة. لقد وصفت وكالة المخابرات المركزية الأميركية بأنها الوكالة المسئولة عن كل الشرور التي عرفها العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية الى نهاية الحرب العالمية الباردة.. لكن.. هذا الوصف يبدو رومانسيا.. شاعريا.. ناعما اذا ماقرأنا سجلها الجنائي ورفعنا بصماتها من فوق الكوارث السياسية التي أفقدت العالم توازنه واستقراره.. وكأنه كوم من القش قابل للاشتعال في أي لحظة ودون بوليصة تأمين. لقد تباهى (ويليام كولبي) مدير الوكالة الأسبق أمام الكونجرس بأن رجاله قتلوا 20587 فيتناميا في 4 سنوات (1967 - 1971) رميا بالرصاص بخلاف 41316 فيتناميا ألقوا بهم من الطائرات بعد استجوابهم.. وكان الموت أرحم من الاستجواب.. فقد كان الاستجواب فرصة لاشباع جنون الشذوذ والسادية عند عملاء الوكالة وضباطها.. قطع أصابع اليد.. استخدام الصدمات الكهربائية.. دق الخوابير الخشبية في الأدمغة. وضع المناظير المكهربة في فتحات الشرج.. إن الديموقراطية الأميركية عبرت عن نفسها بقسوة تناسبها في ابادة الشعوب دون أن تفقد ابداعها المتميز في اعتقال زعمائها المعارضين لسياستها.. الرافضين لهيمنتها وسطوتها ونفوذها. لقد وضعت الوكالة قنبلة على متن طائرة الزعيم الصيني (شو اين لاي) في عام 1955 وهو في طريقه الى اندونيسيا لحضور مؤتمر باندونج.. وفي اللحظة الأخيرة غير (شو) الطائرة ونجا من السقوط في بحر الصين الجنوبي.. حيث انفجرت الطائرة في الموعد المحدد.. وبعد ست سنوات قتل (رفائيل تروخيو) رئيس جمهورية الدومينكان بعد أن أصبح مصدر ازعاج للسياسة الخارجية الأميركية.. وجد مقتولا في سيارته خارج بيته.. والمثير للدهشة أن الوكالة هي التي جاءت به الى السلطة.. وفي ذلك الوقت تخلصت الوكالة أيضا من زعيم الكونغو (باتريس لومومبا).. فكرت في وضع السم في معجون أسنانه.. أو طعامه.. وفكرت في حقنة بميكروبات قاتلة.. وعندما فشلت قبضت عليه وسلمته لواحد من عملائها هو (موبوتوسي سيكو) الذي تخلص منه بالتعذيب حتى الموت.. وفشلت 30 محاولة للوكالة في اغتيال الزعيم الكوبي (فيدل كاسترو).. لعل أشهرها كان بتشبيع ستوديو الاذاعة الذي سيلقي فيه خطابا بعقار الهلوسة البخاخ.. للتأثير على عقله.. وفي محاولة شهيرة أخرى دست سم البولوتونيوم في رقائق السيجار الذي يدخنه.. وهو نوع من السم يقتل بمجرد اللمس.. وجندت نادلة في مطعم يتردد عليه لدس السم في طعامه.. وأثناء رحلة (كاسترو) الى الأمم المتحدة في عام 1960 حاولت الوكالة وضع أملاح (الثاليوم) في أحذيته وثيابه، وتسبب هذه الاملاح سقوط الشعر، ثم الشلل قبل الوفاة.. ثم استعانت بفرقة قتلة محترفين من عصابات هافانا لاغتياله بفتح نيران المدافع الرشاشة عليه.. لكن المحاولة فشلت.. وبقى (كاسترو) حتى الآن.. شيوعيا.. وحيدا.. في عالم جن بقوانين السوق.. ورمى نفسه تحت أقدامها. وجربت الوكالة 25 محاولة للتخلص من (جمال عبدالناصر) كان اغربها وضع السم وغاز الهلوسة في جهاز تكييف مكتبه.. ووضعت الوكالة جائزة مالية مقدارها 3 ملايين دولار لمن يأتي لها برأس زعيم حزب الله الشيخ (فضل الله).. ووضعت قنبلة في المسجد الشيعي الذي يصلي فيه.. وعندما انفجرت القنبلة 8 مارس 1985 وقتلت 80 مصليا وجرحت 200 غيرهم كان الشيخ خارج المسجد يتحدث لبعض اتباعه.. وتوسطت دولة عربية بينه وبين الوكالة كي لا ينتقم منها.. وفي العام التالي تولى رئيس الوكالة في ذلك الوقت (ويليام كيسي) بنفسه عملية التخلص من العقيد (معمر القذافي) والتي كانت تستهدف غزو ليبيا واحتلالها.. وبالتعاون مع الموساد جرت مراقبة الزعيم الليبي تمهيدا للغارة التي شنت على مقر اقامته في 14 إبريل 1986 والتي أسقطت عليه 36 قنبلة زنة ألفي رطل موجهة بالليزر وأعدت نشرة أخبار لاعلان وفاة (القذافي).. ولكن النشرة لم تذع.. فقد نجا (القذافي) وان أصيب اثنان من ابنائه وقتلت شقيقته. لكن.. المفاجأة الاجرامية الحقيقية في هذا الكتاب هي علاقة المخابرات بالمخدرات.. ان الوكالة لم تتردد في أن تمول أنشطتها السياسية السرية بفلوس الهيروين والكوكايين.. وعلى حساب ملايين من الضحايا الذين كانت توصل لهم (البودرة) حتى بيوتهم.. (هوم ديلفيري).. وتحت سمع وبصر أجهزة مكافحة المخدرات.. لقد تسببت الوكالة في رفع نسبة المدمنين بنحو 18% خلال عقد الثمانينيات.. وتركت التجار الموزعين الصغار يجوبون الشوارع الخلفية.. بحرية.. ولم يهتم هؤلاء بحجم الشباب الذين كانوا يموتون من الجرعات الزائدة أو يفقدون عقولهم عندما يلح عليهم المخدر ولا يجدونه. والملفت للنظر ان ذلك قد حدث في وقت كان فيه الرئيس (رونالد ريغان) يعلن سياسة اعادة تنصير أميركا ويقدم نفسه على انه خليفة القديسين في البيت الأبيض.. وكأنه على طريقة فيلم (العار) في تفسيره لاباحة المخدرات دينيا: (لو كانت حلالا فنحن نتعاطاها ولو كانت حراما فنحن نحرقها في النار).. لكن.. الإدارة الأميركية في ذلك الوقت كان لها هدف اخر من وراء ترك الحبل على الغارب لتجار المخدرات.. لقد رفض الكونغرس تمويل الانشطة السرية ضد الثوار في نيكاراجوا.. فكان ان سعى (ريغان) للبحث عن مصادر خفية للتمويل.. فكانت فضيحة (ايران جيت) التي كادت ان تطيح به.. ان هذه الفضيحة التي كشفت في منتصف الثمانينيات تتلخص في عقد صفقات سلاح سرية بين طهران وتل أبيب على أن تذهب أرباح هذه الصفقات الى المخابرات الأميركية التي لعبت دور الوسيط بين الطرفين واستغلت هذه الارباح في تمويل جيش الكونترا الذي كونته سرا تمهيدا للاستيلاء على السلطة وطرد الشيوعيين منها.. وعندما اصبحت الفضيحة بجلاجل لجأت المخابرات الأميركية الى التمويل بالمخدرات.. وتركت العصابات التي تروجها في كاليفورنيا وسان فرانسيسكو تفعل ماتشاء بحرية.. بدعوى ان الغاية تبرر الوسيلة.. وهنا برز اسم (نوروين مينيسين). إن (مينيسين) مهاجر من نيكاراغوا بدأ حياته بتهريب السيارات الاميركية مستغلا نفوذ عائلته هناك.. وعندما تغير النظام في بلاده (نظام سومونا) اصبح لاجئا سياسيا في يوليو عام 1979 وعلى الفور بدأ (وهو الحاصل على شهادة عليا في التسويق) في تجارة الكوكايين بالجملة وتوارى هو وزوجته وراء مشروع لتكنولوجيا المعلومات.. وباركت المخابرات الأميركية هذه التجارة وشاركته في أرباحها.. وبحلول عام 1985 كانت هناك 15 مدينة أميركية أسواقا مفتوحة أمامها.. وعرفت هذه العملية في سجلات وكالة المخابرات المركزية باسم (العملية تمساح) وكان احد المسئولين عنها ضابط يدعى (فليكس رودريغيت) وقد كشف ان الطائرات المحملة بشحنات المخدرات كانت تهبط في مطارات قواعد السلاح الجوي الأميركي في تكساس.. وهي نفس القواعد التي كانت تخرج منها شحنات الأسلحة التي يقاتل بها جيش الكونترا والتي كان يشرف عليها ضابط سابق في الوكالة يدعى (ريتشارد ويلكر) وفي 16 شهرا فقط ساهمت الوكالة في ادخال 525 كيلو جراما من الكوكايين.. وهي كمية تكفي لدمار ربع شباب أميركا. وقد كشف هذه الفضيحة صحفي أميركي وضع رقبته على كفه وهو (جاري ويب).. لقد واجه بقلمه عصابات المخدرات وقوة المخابرات.. وكتب تحقيقاته في 25 ألف كلمة.. وقد اعاد صياغتها نحو 50 مرة.. ونشرها على شبكة الانترنت حتى يضمن حمايته.. وفاز في النهاية بجائزة (بوليتزر).. أرفع جائزة في بلاده.. لقد لعب لعبة الصحافة الشجاعة مع الخطر. وكسب احترام الناس وحبهم.. وقد راح البعض يتطوع بحمايته في نوبات حراسة متتالية على بيته ومكتبه.. وكان هناك خبراء مفرقعات يفحصون سيارته قبل ان يركبها.. ان الصحفي في المجتمعات الحيوية عندما يعبر عن الناس يحمونه ويفدونه بأعز مايملكون من راحتهم وحياتهم.. وفي الوقت نفسه لم يجد الرجل من صحافة التيار العام من يصدقه وسانده.. بل اصبح من يسانده هدفا للاساءة والتشويه على حد قول مؤلف الكتاب. في ذلك الوقت أيضا كانت المخابرات الأميركية قد قررت دعم المجاهدين المسلمين لمواجهة السوفييت في افغانستان واعتمدت أكثر من 3 مليارات دولار لتحقيق هدفها.. وهو ماجعلها أكثر العمليات السرية تكلفة في التاريخ.. بالاضافة الى ذلك شجعت المخابرات الأميركية المجاهدين الافغان على زراعة الأفيون وتصديره.. وبحلول عام 1981 كان هؤلاء المجاهدون يسيطرون على 60% من سوق الهيروين في غرب أوروبا والولايات المتحدة.. قبل ذلك بعامين في عام 1979 وهو العام الذي بدأ فيه تدفق الأسلحة الأميركية الى المجاهدين زاد عدد وفيات المخدرات التي لها علاقة بالأفيون بنسبة 77% وقد قدروا بنحو 12 ألف شخص.. وهو ثلاثة أضعاف ضحايا هجمات سبتمبر.. أما في افغانستان نفسها فقد كان عدد المدمنين يزيد على المليون شخص.. ولا يثير ذلك الاستغراب.. فهناك دعاوى عديدة بإباحة المخدرات.. والعائلة المالكة نفسها كانت تسيطر على تجارة الأفيون قبل الاطاحة بها.. وأمام الكونغرس قال (ديفيد ميلوتشيك) ضابط الاتصال بين الوكالة والبرلمان (في عام 1983): (يمكنكم القول أن المجاهدين يكسبون أموالهم من بيع الأفيون.. هذا لا شك فيه.. انهم يعملون على بقاء قضيتهم حية بالأفيون). وخلال سنوات الجهاد كان في باكستان أكثر من 200 معمل هيروين تتبع 40 عصابة منظمة.. لكن.. المخابرات الأميركية بكل امكانياتها ونفوذها في تلك البلاد البعيدة لم تغلق معملاً واحداً من هذه المعامل ولم تقبض على عصابة واحدة من هذه العصابات.. وكان ذلك طبيعيا فشركة (شكرجي) التجارية - التي كانت تنقل الأموال الى المجاهدين ويملكها لبنانيون - كانت ملوثة بالمخدرات.. وكان أحد عملاء (شكرجي) الرئيسين وهو ياسر موصولولو قد ضبط وهو يسلم شحنة من الأفيون الأفغاني يقترب وزنها من الستة أطنان الى عصابة (جامبينو) الاجرامية في نيويورك وأشارت إحدى مذكرات وكالة مكافحة المخدرات الى أن شكرجي كان يخلط أموال مهربي الهيروين والمورفين والحشيش بأموال الصاغة الذين يشترون الذهب من السوق السوداء وتجار السلاح في الشرق الأوسط. وكانت المخابرات الأميركية على يقين بأن (كل رجال) الرئيس الباكستاني الجنرال (ضياء الحق) على صلة بتجارة الأفيون بما في ذلك جنرالات الجيش.. إن أحد مساعدي الرئيس كان طبيبا يابانيا يعالجه بالأعشاب اسمه (هيسابوشي ماروياما) قبض عليه في أمستردام وهو يحمل معه نحو 18 كيلو جراماً من الهيروين الافغاني عالي النقاء المصنع في باكستان.. وقدرت ثروته بنحو 3 مليارات دولار.. وفي التحقيق معه قال: انه كان مجرد مرسال لشخص آخر هو (مرزا اقبال بايج) الصديق المقرب من الرئيس (ضياء الحق).. وهو أحد اباطرة التجارة والصناعة في لاهور.. وبعد سقوط نظام الحق اتهمته محكمة فيدرالية أميركية في بروكلين بتجارة الهيروين ومارست الحكومة الأميركية ضغطا كافيا على الحكومة الباكستانية كي تلقي القبض عليه.. وفي عام 1988 حدث بالفعل.. لكن.. قبل سقوط نظام ضياء الحق كان (جورج بوش) الأب - وكان نائبا للرئيس - يزور باكستان ولم يجد مبررا لفتح مثل هذه الملفات.. خاصة وانه كان في مهمة محددة.. هي اقناع (ضياء الحق) بمزيد من مساندة المجاهدين الأفغان.. ولم يكن يدرك أن مهمة ابنه فيما بعد هي عكس ذلك تماما. إن ماجرى للجنرال (ضياء الحق) جرى فيما بعد ايضا للجنرال (مانويل نورييغا) حاكم بنما الأسبق.. لقد استمرت علاقته باتحادات المخدرات في أميركا الوسطى أكثر من 20 سنة كان خلالها على علاقة قوية بوكالة المخابرات الأميركية التي كانت تعلم أنه متورط كذلك في غسيل الأموال وتجارة السلاح والاغتيالات السياسية.. ثم فجأة قررت الادارة الأميركية تصفيته والقضاء عليه.. وقامت بغزو بلاده.. وقبضت عليه.. وجاءت به الى واشنطن لمحاكمته.. لقد استغلوه مجرما وعندما انتهت مهمته غسلوا أيديهم منه.. وهي عادة أميركية براجماتية.. ولن يشتروها.. وهي عادة يكشفها هذا الكتاب بتفاصيل مذهلة.. ومن ثم فإننا أمام كتاب يستحق القراءة والاقتناء بالفعل. ـ كاتب مصري