أخلفتُ أمس موعدين، وتلك مسألة لا أحبّذها لأنها تورّطني بمشكلات جرّاء سوء الفهم الذي ينجم عنها، ما دعاني للاعتذار من زملاء تواعدتُ معهم لمشاهدة مباراة في كرة القدم، وآخرين اتفقت وإياهم على الذهاب إلى الشاطيء. لكن ذلك لن يعفيني أيضاً من الاعتراف أنني أفتقد إلى السرعة والالتزام الدقيق بلقاء الأصدقاء وأشياء أخرى، وتلك ربّما تكون إحدى عاداتي التي أسعى حثيثاً للفكاك منها. أما بشأن موعديْ الأمس، فالعذر في الحالتين كان مردّه حرصي على ممارسة رياضتي اليومية في شارع أحببته كثيراً وألفته جيداً كونه قريباً من مقرّ سكني، وها أنا أنفّذ في رحابه قراري الذي اتخذته منذ فترة قصيرة باستعادة لياقتي، لأنني صرتُ أشعر بأن مرور الزمن لا يرحم الجسد، ولا يخفف من وطأته سوى مواجهته بالمحافظة على الصحة، التي إن اعتلّت تفقدك القدرة على الحركة والعطاء ويصبح كل شيء من دونها بلا معنى ولا طعم. أحسبُ الآن أنني وصيّ على جسمي، بعد عقدين ونيف على هجراني للرياضة بأشكالها، كنت حتى ذلك الحين قائداً لفريق الكرة في حارتنا الصغيرة، وأذهب سيراً على الأقدام إلى الحقول ونحو شاطيء البحر الذي يبعد عنا كيلومترات عدة. ظللتُ لفترة لا بأس بها أحسّ جسمي وفيّاً لي، يستجيب للرياضة التي كنت ألقّنه إياها، فكّرت معها أنه سيظل فتيّاً العمر كله، فلديّ من أبي مثال لقوة الجسم والممانعة إزاء المرض إذ أنه جاوز التسعين ولا يزال محافظاً على عزيمة تعينه في الذهاب كل صباح إلى البرّية وتفقد الزرع. الآن، وبعد مرور سنين طويلة أشعر أنني راعٍ لهذا الجسم مثلما يشرف أهلٌ على ولدهم ويرعونه، وربّما كان في ذلك أمرٌ لذيذ. وفيما يتعلق بالمشي والحركة، فلا أزال أمشي مشياً رياضياً بالقدرة إياها إلى حدّ كبير كوني لست مدخناً. لا أتحدث عن هذه العلاقة المستجدة مع جسمي، لأن الهواجس تحيق بالمرء على أبواب الأربعين، هذه المحطة التي تكثر أمراضها وتتنوّع. ولن أكون كمن يعاند سياق الطبيعة البشرية، لكنني في الوقت نفسه هيأت لجسمي شكله الثابت، الأخير الذي سيبدأ الاكتهال وهو فيه. وربما يكون ذلك من اعتمادي نظرة حديثة إزاءه، أي علمية وطبية آخذة في الاعتبار ما أمكنها من توقّع الخسائر ودراستها ومحاصرتها. أجد الآن أن جسمي الحالي بدأ يصيرُني، وأنا مقتنع تماماً بما أفعله لأجله، لذا تخلّيت عن شعوري الدائم بأنني لا أزال شاباً في العشرينات، على الرغم من هذه الطفولة الدائمة التي ترافق روحي. طبعاً، لا أرنو من هذه المصالحة مع جسمي، لما يردّني إلى عنفواني الأول، فقط هي شيء من العطاء المتبادل لتيسير أمور الحياة بصورة طبيعية قدر الإمكان وبما يحيل الأشياء جميلة. وأعتقد انه بدون هذا الرضا لمتطلبات الطبيعة تفقد الحياة معناها وقيمتها في حالتي الشباب والشيخوخة معاً، ونكون قد ارتكبنا خيانة لمراحل عمرنا التي يجب أن نفتخر بها تباعاً.