ليل دبي.. ليل مضيء تتألق فيه الانوار من كل مكان... وما اجمل منظر المدينة من اعلى والطائرة تحلق بك في فضائها، فهي تبدو كاللؤلؤة التي يخطف نورها الابصار فتعرف فوراً انك تطير فوق مدينة دبي... وعندما تهبط الى الارض وتجوب بك السيارة شوارعها تبهرك احدث اساليب الاضاءة التي تتمتع بها تلك الشوارع والتي تتيح لراكبي السيارات وللمشاة رؤية جيدة مريحة حتى في داخل الانفاق وتحت الجسور العديدة. اقول لكم هذه الحقيقة لا من باب المجاملة ولكن لكي اجذب خواطركم معي نحو مسألة تثير التساؤل حقاً، فمنذ ايام، واثناء عودتي ليلاً من «البيان»، فوجئت بالسيارة التي امامي وهي تقفز وتكاد تخرج عن الطريق حيث كان بعض الناس يقف على الرصيف، ولكن الله ستر اذ تنبه الواقفون سريعاً واخذوا يفرون مذعورين والسيارة تنطلق وراءهم حتى توقفت ونزل منها مواطن متوسط العمر وقد امتقع لون وجهه واخذ يعتذر للناس وهو يكاد يبكي من هول الموقف. ونسيت أن اذكر لكم ان الطريق ذو اتجاهين لا يفصل بينهما شيء. ويبدو انه توسم في نظرتي اليه علامات التعاطف معه والاشفاق عليه فأخذ يشرح لي سبب انحرافه المفاجيء عن الطريق وهو ان السيارة المقابلة له من الاتجاه المعاكس فتحت في وجهه اربعة مصابيح ضوئية مبهرة من نوع اسماه «زينون» مما اصاب عينيه بما يشبه العمى لحظات كانت كفيلة بحدوث كارثة حيث لم يعد يرى طريقه. ولقد كانت تلك الاضواء كفيلة بأن تصيبني بما اصابه لولا انني كنت على مسافة بعيدة نسبياً عنه، كما ان حجم سيارته الكبير ساهم في حجب بعض الاضواء المبهرة عن عينيّ. وشغلتني تلك المسألة وقد لمست انتشار ظاهرة استخدام هذا النوع المبهر من الضوء ولجوء بعض اصحاب السيارات ـ وخاصة ذات الدفع الرباعي ـ الى تزويد سياراتهم به مع زيادة مصباحين سفليين. واخذت ابحث في المعاجم والموسوعات، وعبر الكمبيوتر، عن كنه هذا «الزينون» وكل معلوماتي السابقة هي ان الضوء المبهر كان يسمى «هالوجين» نسبة الى الكلمة الانجليزية التي تعني الهالة الشمسية او القمرية او اية هالة ضوء مشع. واخيرا وجدت اشارة في احدى الموسوعات تقول ان الزينون هو عنصر كيميائي اكتشفه في عام 1898 عالمان بريطانيان هما سير ويليام رامزي وموريس ويليام ترافيرس، وهو يستخدم في ملء المصابيح الكهربائية القوية، كما انه غاز لا لون له ولا رائحة ويمكن الحصول عليه من الهواء المسال، وقد اطلق عليه اسم «الغاز الخامل» لانه لا يتفاعل بسهولة مع المواد الاخرى. والطريف انني اثناء بحثي عن الكلمة تحت حرف الزاي وجدت بعده مباشرة نفس الاسم ولكن في مجال مختلف تماما هو مجال الفلسفة، والاسم الاول هو زينون الرواقي مؤسس الفلسفة الرواقية في اثينا قبل الميلاد. والغريب انه كان في الاصل يعمل بالتجارة ولما بارت تجارته وفقد ممتلكاته رحل الى مدينة اثينا وقام بدراسة الفلسفة، ثم اخذ يلتقي بعد ذلك بتلامذته في رواق فاشتهرت فلسفته باسم الفلسفة الرواقية. اما الفيلسوف الثاني فهو زينون الايلي وهو فيلسوف يوناني عاش قبل الميلاد في مستعمرة إيليا اليونانية، جنوب ايطاليا، واثارت فلسفته قضايا جدلية كثيرة حول الزمن والفراغ واللانهاية. والحركة... الخ. وشتان بين زينون المشع وزينون الفيلسوف، فالاول ينشر الموت والفزع والثاني يفيض بالحياة والتفكر. وبدون جدل او فلسفة نطرح السؤال البسيط وهو: مادامت دبي تشع بالضياء فما الحاجة الى هذه «الليتات» البشعة التي تعمي البصر وتعرّض حياة الناس للخطر؟ أليس الامر جديرا بتدخل رجال المرور لمحاولة منعها وإراحة الناس من شرها؟!! واخشى ما اخشاه ان تنتقل العدوى «الزينونية» الى مصر بحجة ضعف الاضاءة في بعض الطرقات الجانبية والخارجية وعندئذ تقفز ارقام الحوادث الى مدى لا يعلمه الا الله ـ خاصة وان المحافظات «بديل البلديات» تلجأ الى تخفيف الاضاءة في المناطق السكنية الهادئة بين الفيلات والحدائق، ومع ضيق شوارعها الجانبية. يا ويلك من السائقين الآخرين لو اضأت الضوء العالي العادي وحتى المتوسط... فما العمل إذن؟! نستشير احد «الزينونين» مثنى زينون.. صعبة أليس كذلك؟... وربما نجح احدهما في الخروج بنظرية فلسفية في فلسفة الزينون النفسية في دبي ومصر المحروسة!!