وزراء الاعلام العرب يقرون بأن اعلامهم فشل في التصدي للحملات الدعائية الصهيونية المعادية، ويقرون ان سياسات اعلامنا بواقعها الحالي لا يمكنها ان تكون ندا الا باجراء سلسلة من التطويرات والوصول الى صيغة خطاب موحدة تحارب عن سمعة العرب في الداخل والخارج. والاعلام العربي من مرئي ومسموع ومقروء يحلق في فضاء يختلف اختلافا كليا عما ترغب فيه احلام المسئولين، او يعاكس تماما خطاباتهم في المؤتمرات والاجتماعات التي يعقدونها كل مرة ليقولوا فيها الكلام نفسه، ويبحثون فيها الامنيات ذاتها، ويبثون من خلالها شكواهم. والسؤال الذي يبدو انهم لا يريدون الاجابة عليه فعلا هو: لماذا يقولون مالا يفعلون؟ ولماذا لا يكشفون اسباب الفشل بدلا من الاكتفاء باعلانه. صحيح ان شجاعتهم دفعتهم الى نقد الذات الحاد والمؤلم هذه المرة، لكنهم ايضا يبتعدون وبمبادراتهم وبحثهم عن حلول لهذا الفشل يبتعدون عن مسبباته الحقيقية. هذه المسببات ليست لها علاقة بمشكل في العموميات والاهداف، فالان كل مدير محطة اعلامية يدرك الثوابت القومية تمام الادراك، ويتفاعل شخصيا بشكل يومي مع الحملات المعادية سواء من العدو المباشر، او من الاعداء غير المباشرين، ويعلم هذا المدير، او المسئول ان ما يبثه مركزه الاعلامي يجب ان يواكب هذه التفاعلات بالتصدي او منعها او ردعها، لكن حينما تنظر الى واقع ما تبثه محطته او مركزه الاعلامي تكتشف ان هذا البث يحلق بعيدا، هذا اذا ما كانت المواد المبثة تحمل سموما مباشرة لمواطنيه. قراءة بسيطة لمستوى ما تبثه وسائل الاعلام العربية اليوم تكشف ان هذا الاعلام حينما طار وحلق في الفضاء اول ما فعله، هو انه تحلل وتجرد من محليته وهويته العربية، واول ما تم اعتماده في اجراءات التطوير هو خلع عباءة الاداب والاخلاقيات، واول ما تم تطويره في اطار المضمون هو ركل الثقافة والقومية والوطنية بعيدا من سور المحطات، وتلبس الاعلام العربي بأشكاله المختلفة لبوسات غير لبوساته الحقيقية. ومثلما استوردت وسائل الاعلام العربية الكمبيوتر والاجهزة التكنولوجية الحديثة لتطوير صورتها ومعطياتها امام المتلقي، استوردت الافكار وصارت البرامج الاعلامية والمادة الاعلامية التي يتغذى منها المتلقى العربي مادة سامة للدم مئة بالمئة. ولن نعد هنا انواع تلك البرامج الغثة واساليب التقديم، ولن نقول في القيمة التي ترسلها تلك البرامج ومن تستهدف من فئات المجتمع العربي، فهذه واضحة وضوح النور ومكشوفة نواياها، لكن نعود الى خطاب مسئولي الاعلام العربي في مؤتمراتهم فنكتشف حرارة الخطاب وقوميته، ونعود الى مدراء وسائل الاعلام العربية فنكتشف انهم ينتجون من الاعلام ما يناقض ذلك الخطاب، ونعود الى صوت وصورة الاعلام العربي لنكتشف كل المتناقضات فيه. على الطرف الاخر فانك تؤمن تماما بأن الاعلام العربي لا يحتاج لا لمرصد يلتقط شتائم الاخرين ولا لارشيف يحفظها للادانة عند المحاكمات، ولا يحتاج لمحطات ناطقة بالانجليزية ولا بالعبرية، فأصحاب اللغات الاجنبية يقرأوننا بدقة اكثر من قدرتنا على قراءتهم، وانما ما يحتاجه الاعلام العربي فعلا هو الجدية التي افتقدها، وما يحتاجه هو مادة اعلامية تؤثر في عقل المتلقى لا مشاعره الرخيصة!! ae.halyan@albayan.co