وجوه بعض البشر كذاكرة المدن القديمة، تستقر في الذاكرة منذ اللقاء الاول، ترتسم على صفحة القلب والعقل دونما سبب ظاهر، دون مبرر من تميز او خصوصية، شعور بالألفة والحميمية يشدك الى بعض الوجوه، فتحث ذاكرتك على استخراج مخزونها لأنك واثق بأن هذا الوجه تحديدا تعرفه جيدا، وانه قريب إلى نفسك الى درجة لا تتطلب اعادة الاكتشاف تماما كما يألف الانسان وجه امه وابيه واخوته وبعض اصدقائه. وكما تختزن الذاكرة وجوهها الخاصة، وتسير بهم نحو غياب طويل في الزمن حتى نظن اننا نعرف البعض منذ بدأت الذاكرة تحدد معالمها، فكذلك تختزن بعضا من اشاراتهم الخاصة كحركات ايديهم وبحة الصوت المميزة، وطريقة امساكهم بالقلم مثلاً، واحياناً الطريقة التي يدخنون بها أو يعقدون ربطات العنق او يمشون أو يكتبون فيحلو لنا أن نستحث الذاكرة لتفرغ مخزونها من هذه التفاصيل لأشخاص بعينهم ذهبوا مع الغياب طويلاً. ويتناهى من بعيد صوت فيروز عذباً وجارحاً وهي تغني: «كل الذين احبهم سرقوا رقادي واستراحوا!» لماذا يسرق الذين نحبهم كحل الليل اللذيذ حينما يرحلون، مع انهم باقون في تلافيف الذاكرة لدرجة الحضور المسموع فكأنهم يتحدثون في تلك الزاوية، أو كأننا نلمحهم يحتسون قهوتهم بذات الطريقة في ذلك المقهى المعروف الذي اعتادوا التردد عليه. احياناً يتحول وجه واحد في حياتنا الى مدينة يعمرها ويبنيها يرسم لوحاتها ويعلق ستائرها على نوافذ السماء، يفتح ابوابها ويضع على واجهاتها بعض الصور والزهور، يطرز المنازل بآنية الزهر والخضرة، ويضع كل لمسات الديكور الجميلة على اطراف المدينة، فإذا رحل ذلك الوجه اقفرت المدينة، واصبحت الشوارع بلا ضوضاء ولا اضواء، حتى الطيور الصغيرة التي تملأ الحديقة تنسى اصواتها في الصباح. في بعض المدن لا نصدق ما يقوله الناس عن هذه المدن، نكتشف ان اجمل المدن كما حكوا عنها منذ زمان بعيد، ليست جميلة بالفعل، وليست دافئة، وليس فيها ما يغري بالبقاء أو التفكير بالعودة ثانية، نكتشف انها مدينة فجة او حتى وقحة، شوارعها أكبر من اللازم وتماثيلها اضخم مما ينبغي، واهلها لا يمكن احتمال النظر إلى وجوههم!! نكتشف ان المدن كبعض الوجوه اما ان تحبها من النظرة الأولى أو تنفر منها من النظرة الاولى ايضاً، وايضا دونما سبب ظاهر. ربما لانك لا تكون في صحبة من تحب هل هذا سبب كاف؟! نعيش حالات عجيبة لا تفسير لها مع مزاجنا وذاكرتنا فنكتشف ان اجمل الوجوه واكثرها ألفة لنا ما تعكس طبائع نفوسنا، فالأرواح مواكب نور تأتلف بين يدي الله، وتمضي في المحبة والمعرفة، واذ نلتقي وجوها بعينها، ونحبها دون غيرها فلأنها تعني لنا شيئاً خاصا بعينه، شيء من الدفء أو اليقين أو الحرية أو الحياة بوجهها الاصلي بعيداً عن الزيف والفراغ ... لذلك فإن الوجوه لا تختزن هكذا بسهولة والمدن لا تعشق ببساطة ايضاَ. Aishasultan@hotmail.com