الجميع يؤيدون المشروع. الخلاف محصور فقط في اختيار اسم له. لذا، ليس من الانصاف ـ او الدقة او الامانة ـ تركيز النقد الجارح على شخص كولين باول لانه اطلق على المشروع اسما من عنده: «الدولة الفلسطينية المؤقتة» او شخص جورج بوش لقبوله هذه التسمية. فوزير الخارجية الاميركي ليس الجهة التي ابتدعت المشروع. من أين بدأت القصة إذن؟ اذا تحدثنا عن التاريخ القريب فإن عمر المشروع يبلغ بضعة شهور. اما اذا رجعنا للوراء فإن عمره يناهز ربع قرن. ان العنصر الجوهري للمشروع هو تجزئة قيام «الدولة الفلسطينية» على مرحلتين بحيث تنحصر رقعة الارض التي تقوم عليها في مساحة 40 في المائة من الضفة الغربية مع ثلثي مساحة قطاع غزة. هذه هي المرحلة الاولى. وهي مرحلة لا خلاف عليها بين قيادة السلطة الفلسطينية والادارة الاميركية والأطراف العربية الناشطة في الوساطة رغم ان ارييل شارون يتردد في اطلاق اسم «دولة» على المشروع. لكن ثمة خلافاً على المرحلة التالية فالقيادة الفلسطينية ومعها الاطراف العربية تطالب بأن تكون المرحلة الثانية توسيعاً لرقعة الدولة المقترحة تمتد الى حدود الرابع من يونيو 1967 بينما ارييل شارون ليس على استعداد لاعطاء الفلسطينيين اكثر مما قد يعطى في المرحلة الاولى. اما ادارة بوش فإنها تكتفي باصدار اشارات وايماءات قابلة لألف تفسير وتفسير. ولنقلب صفحات التاريخ القريب. الخطوط العامة لهذا المشروع جرى الاتفاق عليها فعلاً قبل بضعة شهور، بين رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني احمد قريع «ابو علاء» ووزير الخارجية الاسرائيلي شيمون بيريز بمبادرة من الاخير. وما أشيع حينئذ من ان رئيس الوزراء الاسرائيلي رفض ما توصل اليه وزير خارجيته مع الطرف الفلسطيني ليس كما يبدو الآن سوى تسريب اعلامي اسرائيلي، وفي كل الاحوال فإن هناك اجماعاً داخل «حكومة الوحدة الوطنية» الاسرائيلية بألا تتنازل اسرائيل للفلسطينيين الا عن قدر معين من اراضي الضفة وغزة، واذا كان هناك خلاف بين شارون وبيريز في هذا الصدد فإنه خلاف شكلي بشأن تسمية الاجزاء التي تقبل اسرائيل «بالتنازل» عنها: فبينما يطلق عليها بيريز ذلك الاسم الدعائي الرنان «الدولة الفلسطينية» فإن شارون، بصراحته المعهودة يفضل ان يسمي الاشياء باسمائها الحقيقية.. فهو يستخدم عبارة «أراضي الحكم الذاتي» ـ أي المناطق (أ) و(ب) المنصوص عليها في اتفاق اوسلو كأراض تتبع للسلطة الفلسطينية. اما اذا رجعنا الى التاريخ البعيد فإننا سنكتشف ان مشروع بيريز الذي وافق عليه «ابو علاء» هو نفس المشروع الذي سبق ان عرضه مناحيم بيغن رئيس وزراء اسرائيل قبل 24 عاماً على الفلسطينيين عبر الرئيس المصري انور السادات ـ ورفضته حينئذ منظمة التحرير. الآن نرى مشروعاً عربياً قدم رسمياً الى الادارة الاميركية بموافقة السلطة الفلسطينية، والبنود الرئيسية لهذا المشروع هي: ـ اعلان قيام دولة فلسطينية في مطلع العام المقبل على مساحة 40 في المائة من الضفة مع ثلثي غزة. ـ مع الاعلان تبدأ فترة انتقالية لمدة اقصاها ثلاث سنوات تمتد بعدها الدولة الفلسطينية الى كافة حدود 67. ـ توسيع رقعة الدولة في المرحلة الثانية يتم عبر تفاوض اسرائيلي فلسطيني وبضمانة اميركية.. على ان يشمل التفاوض ايضاً القضايا المصيرية الاخرى كمستقبل القدس. ولا ادري لماذا غضبت القيادة الفلسطينية والقيادات العربية عندما أطلق كولين باول على هذا المشروع «الدولة الفلسطينية المؤقتة». لقد استخدم باول الكلمة الانجليزية Provisional وهي صفة يمكن ان تترجم الى العربية بكلمة «مؤقت». لكنها تستخدم ايضاً لتعني كلمة «انتقالي». ووضع الدولة الفلسطينية في المشروع العربي لتقوم مرحلياً على جزء من الارض وليس على الارض كلها هو قطعا وضع لا يمكن ان يوصف الا بأنه «انتقالي». . وبالتالي هو اذن «مؤقت»؟ اكثر من ذلك فإن المشروع العربي لا يختلف جوهرياً عن مشروع بيريز ـ قريع او مشروع بيغن الا من حيث طول الفترة الانتقالية. وربما يحتج اصحاب المشروع العربي بأنهم يصرون على الجلاء الاسرائيلي عن كافة اراضي 67، لكنهم في اصرارهم هذا يعتمدون ـ كما ينص المشروع ـ على «ضمانة أميركية». واذا كان هذا الاعتماد مبنياً على فرضية ان الولايات المتحدة وسيط حيادي نزيه فإنها فرضية فيها نظر.