من المعروف ان التخلف العام ظاهرة معقدة ومتشابكة الأطراف، ولا يسهل تلمس ملامحها وفرز خيوطها. وهي تنشأ عن أسباب وعوامل متعددة وعميقة الجذور. وفي حالات معينة، تنجح بعض الشعوب في تجاوز التخلف واجتثاث أصوله، بينما تخفق أمم أخرى في معركتها ضده، فيكتسب صفة الدوام ويبقى قائماً ومُكشراً عن أنيابه إلى أمد غير محدود، كما الحال مع العرب ومعظم الدول النامية. ولا ريب ان الفشل في وضع استراتيجيات مناسبة وناجحة لمختلف قطاعات الحياة السياسية منها والثقافية والتربوية والاقتصادية والقانونية وغيرها، هو أحد أسباب تكريس التخلف وعدم القدرة على كسر قيوده وفك أغلاله، ومن ثم القفز من فوق أسواره العالية باتجاه الحضارة والتقدم. وسنتصدى في هذا المقال لمسألة السياسات الخاصة باستغلال الموارد الطبيعية، حصراً، فالنجاح في هذا المجال يعني توفير مخصصات أكبر لمشروعات التنمية الاقتصادية والثقافية والتربوية وغيرها، وذلك لأن زيادة الدخل القومي تنعكس على جميع أوجه الحياة وتقود إلى تطوير مختلف قطاعات الدولة. وحتى نرسم صورة عن أفضل الوسائل لاستثمار الثروات الطبيعية، البترولية والزراعية والمعدنية والمائية وغيرها يحسن بنا ان نرجع إلى كتاب (سياسات الدول النامية في استغلال الموارد الطبيعية) الذي صدر باللغة الانجليزية، منذ فترة، وهو من تأليف وليام آسكر وروبرت هيلي اللذين يقران منذ البداية بأن أي كتاب يتصدى لموضوع صنع السياسات، سواء في حقل الموارد الطبيعية أو في غيره، لابد ان يواجه صعوبات واضحة، لأسباب عديدة منها، ان تصميم الاستراتيجيات لا يتم نتيجة قرار واحد، وإنما يخضع لكثير من التأثيرات ونقاط التحول. ويبين المؤلفان ان هناك علاقات وثيقة تربط بين استعمال الموارد ونوعية البيئة، والتنمية الاقتصادية، وهذه الصلات تشكل أحد محاور الدراسة الرئيسية في الكتاب الذي نحن بصدده، والذي يهدف إلى مد جسور جديدة بين التفكير الحديث حول البيئة والموارد، وبين تيار نظرية التنمية مع تأكيد خاص على ضرورة تحسين الدخول وتوزيعها بشكل عادل. وقد أصبح موضوع الدخول يشكل أهم بنود سياسات التنمية. ويذكر المؤلفان من بين العوامل التي يمكن ان تؤدي إلى رفع الدخل الفردي: ـ الاكتفاء الغذائي الذاتي. ـ التكنولوجيا المناسبة. ـ تشجيع التصدير. ـ مشاركة جميع قطاعات المجتمع في اتخاذ القرارات وهذا طبعاً لا يتحقق إلا في حالات توافر الديمقراطية السياسية. ويشير الكتاب إلى استراتيجية الصيانة العالمية التي أصدرها الاتحاد الدولي لصيانة الموارد الطبيعية، والذي مقره في سويسرا، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة، وتبين هذه الاستراتيجية ان علاقة الانسانية بالمجال الحيوي ستستمر في التدهور إلى ان يقوم نظام اقتصادي جديد، كما تبين ان حفظ الموارد الطبيعية هو من أهم مستلزمات التنمية، وتسمى الاستراتيجية ثلاثة أهداف بيئية أساسية لابد من تحقيقها وهي: 1ـ دعم العمليات الايكولوغية الأساسية ونظم الحفاظ على الحياة. 2ـ الابقاء على التنوع الوراثي. 3ـ الاستغلال الرشيد للأصناف الحية والنظم البيئية. ويذكر المؤلفان أربع طرق حديثة تتبعها الآن كثير من الدول النامية من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية التي تستند إلى استغلال الموارد الطبيعية وهذه الطرق هي: 1ـ التحديث الزراعي: لقد اكتشفت الدول النامية بعد الحرب العالمية الثانية ان الاهتمام بالصناعة دون الزراعة، لم يمكنها من الخروج من عنق الزجاجة التي حُشرت فيها خلال محاولتها تحقيق النمو الاقتصادي القومي، مما دفعها إلى الاتجاه نحو التطوير الزراعي ووضعه في رأس قائمة أولويات الاهتمام. وهذا التطوير اتخذ شكل التحديث، ومن النتائج التي تحققت نتيجة نجاح تحديث الزراعة في بعض الاقطار النامية تحسن مستوى الانتاج الغذائي المحلي وارتفاع عائدات التصدير وبالتالي زيادة الدخل الفردي. ويبين الكتاب ان الفقراء أكثر تأثراً من غيرهم بالفشل الزراعي، فزيادة أسعار المواد الغذائية مزعجة بالنسبة للطبقتين الغنية والوسطى ولكنها مدمرة بالنسبة للطبقة الفقيرة. وتعد السياسة الزراعية على درجة كبيرة من الأهمية نظراً لأنها تحقق أهدافاً أساسية منها: ـ توفير الغذاء للمدنيين والريفيين. ـ ايجاد وفورات يمكن الافادة منها في التصنيع. ـ توفير عملة صعبة من خلال الصادرات الزراعية. ـ افساح المجال لتوظيف نسبة كبيرة من السكان في قطاع العمل الزراعي. ويتحدث الكتاب عن الثورة الزراعية التي اجتاحت آسيا وأميركا اللاتينية منذ مطلع الستينيات وغطت أكثر من نصف الأراضي تقريبا في هذه المناطق وقد حققت الثورة الزراعية المسماة (بالثورة الخضراء) نتائج مرضية بفضل استعمال بذور وسمادات مُحسّنة ومُطّورة، بالاضافة إلى تحسين وسائل انتاج المواد الزراعية غير التقليدية. 2ـ خطط اعادة التوطين: ويجري الآن في بعض الدول النامية تنفيذ خطط دراماتيكية للوصول إلى تحسين فرص التوظيف وزيادة الدخول المالية من خلال عمليات اعادة التوطين التي يتم بموجبها نقل سكان من مناطق قليلة الموارد إلى مناطق أخرى ذات موارد أغنى. 3ـ بناء السدود: تقوم السدود الكبيرة بأدوار اقتصادية مهمة في مجال ادارة الموارد الطبيعية، فهي توفر الطاقة وكذلك الري، كما انها تضبط الفيضانات وتؤدي إلى تحسين عملية صيد الأسماك. ولكن للسدود مخاطرها، فالمستودعات الخاصة بها تغطي مساحات واسعة من المناطق الزراعية والغابات، وهذه خسارة لا يمكن التقليل من شأنها، ومن جهة ثانية فإن تفتت التربة كثيرا ما يفضي إلى (تغرين) السد قبل الأوان، مما يقود إلى اضعاف فعاليته وتخفيض عائداته الاقتصادية ولكن تحسين سياسات السدود كفيل بالتغلب على العديد من هذه الصعاب. ويقدم المؤلفان أمثلة على بعض السدود المهمة في العالم، ومنها تلك التي تقام الآن في الهند وسيريلانكا. 4ـ الري: ان فوائد الري معروفة، ولا سيما في المناطق التي تتعرض لتقلبات مناخية تجعل هطول الأمطار فيها غير منتظم، وأكبر نظام للري في العالم موجود في الصين، حيث يتم بواسطته ارواء خمسة وأربعين مليون هكتار من الأرض، يلي ذلك النظام المتواجد في الهند والذي يروي أربعين مليون هكتار، وبفضله يجري انقاذ ملايين الناس من الجوع، ويتم الري عادة إما بالسدود والقنوات الكبيرة أو بالصهاريج الصغيرة. يبين الكتاب ان معظم سياسات الموارد في الدول النامية كانت غير موفقة وتفتقر إلى التخطيط السليم، مما أدى إلى الفشل في توفير دخل فردي جيد للمواطنين، وفي تحقيق العدالة في التوزيع، وقد كان لهذا الوضع تأثير سلبي في البيئة، ويتساءل المؤلفان عن أساس العلة ومكامن الخطأ في سوء تخطيط سياسات الموارد، ويجيبان على ذلك بأنه ليست هناك جهة واحدة مسئولة عن صنع هذه السياسات بل هناك العديد من الجهات المشاركة ذات المصالح والأدوار والمعلومات والنظرات المتفاوتة فكل مرحلة من مراحل العملية تضعها مؤسسة رسمية تختلف عن المؤسسة التي تضع المرحلة التالية. وهي تواجه في أثناء ذلك تحديات كبيرة أهمها التحديات السياسية. يذكر الكتاب عدة خطوات لاصلاح سياسات الموارد وهي: 1ـ تحسين انتقال المعلومات بين الاجزاء المختلفة في نظام صنع السياسات المواردية، ومن شأن ذلك ان يؤدي إلى تحقيق فوائد كثيرة ومن بينها اكتشاف التأثيرات البيئية غير المرغوبة ومعرفة مصادر أسباب عدم التوزيع العادل للدخول، كما ان الانتقال السريع للمعلومات يمنح واضعي سياسات الموارد فكرة أفضل عن الوقت الذي يجب ان يتم فيه تعديل السياسات غير الناجحة، أو الغاء هذه السياسات، قبل ان يدخل التنفيذ مرحلة يصبح معها تعديل السياسة أو هجرها أمراً متعذراً. 2ـ تزويد كل الاطراف التي تتأثر بسياسات الموارد الطبيعية مثل المؤسسات الخاصة أو المزارعين بحوافز تغريهم على التعاون بفاعلية من أجل انجاز أهداف السياسات، مع احتمال فرض العقوبة في حالة عدم التعاون. ومن الأمثلة على ذلك اقناع المواطن بأن ما تفعله الحكومة في سياساتها تجاه الموارد الطبعيية هو في صالح المجموع العام، وهذا يشكل حافزا عملياً، كما يمكن اللجوء مثلاً إلى الزام كل من يقوم بقطع أشجار باستبدالها بنباتات جديدة مع فرض الغرامات اللازمة في حالة عدم الاذعان. 3ـ تحسين التخطيط من خلال توسيع مدى المشاركة في هذا التخطيط ففي الماضي مثلاً كان الاقتصاديون وحدهم هم الذين يخططون ويقوّمون مع ان هؤلاء لا يدركون بصورة عامة مدى تعقد الآثار الجانبية البيئية، لذلك نجد المؤلفين يحثان على ضرورة اشراك اطراف أخرى في التخطيط مثل علماء البيولوجيا والاجتماع والانتربولوجيا والبيئة اشراكا فعالاً. 4ـ الافادة من خبرات المنظمات الدولية المختصة بالتقويم بعيداً عن التأثر بالعوامل السياسية. 5ـ الاعتماد على مركزية السلطة في تنفيذ سياسات الموارد، تحقيقاً للسرعة في حشد الجهود والبت وتوفير الاحتياجات المختلفة مثل الموظفين والمواد والسماد وغير ذلك. وهكذا فإن وطننا العربي على الرغم من انه يزخر بمختلف أشكال الموارد فإن مناطق كثيرة منه تعاني من الفقر أو انخفاض الدخل الفردي، بسبب سوء سياسات الموارد الطبيعية وعدم القدرة على استغلالها بالشكل المناسب وهناك أربعة أنواع من الثروات الطبيعية العربية، أولها الثروة الزراعية التي يعتمد عليها 60% من السكان تقريباً، ولسوء الحظ ان القطاع الزراعي لا يفي باحتياجات السكان لأسباب عديدة منها عدم استخدام التكنولوجيا الحديثة بصورة كافية في العمل الزراعي، وعدم الوصول إلى الطاقة الاقتصادية الكاملة للأراضي المزروعة بالاضافة إلى عدم نجاح سياسات الموارد الزراعية. ـ كاتب سوري