رئيس الوزراء الاسرائيلي غير من صورة النزاع العربي الاسرائيلي كما عرفناها في السنوات العشر الماضية. فالاساس التاريخي للسلام العربي الاسرائيلي انطلق من امكان تعميم السلام المصري الاسرائيلي الى بقية العرب، ثم امكان تعميم عملية الحكم الذاتي لتصل الى دولة فلسطينية مستقلة في اطار حل عادل وشامل. ما يقوم به شارون هو دفع في الطريق المعاكس، وذلك من اجل ايقاف عملية السلام التي بدأت مع اتفاقات السلام في اوسلو، ففي زيارته الاخيرة لواشنطن وفي لقاء خاص مع عدد من اعضاء الكونغرس تحدث شارون في جلسة غير مفتوحة عن حاجة اسرائيل الى مليون مهاجر يهودي جديد، وتحدث عن حرب المئة عام مع العرب التي لاتزال مستمرة. في هذا التوجه تهيئة لمزيد من المواجهات وتهيئة لرفض السلام لا القبول به. شارون لا يثق بالدول العربية دولة دولة، وهو يعتقد ان جميعها في معركة مع اسرائيل بما فيها القاهرة، وهو يرى ان مشكلته الاساسية هي مع الدول العربية بما فيها الدول الخليجية لأن نفوذها النسبي في العاصمة الاميركية ودورها في قضية الطاقة يجعل من الادارة الاميركية اكثر استعداداً للضغط على اسرائيل لتلبية بعض الشروط التي لا تعجبه ومنها وقف الاستيطان وقيام دولة فلسطينية. لهذا من مصلحة شارون ان يكون الموقف العربي موقفاً معزولاً، وان يكون محدود التأثير او ان يفقد المصداقية. لهذا بالتحديد شكلت احداث 11 سبتمبر نقطة انطلاق لشارون، وشكلت اساساً لزعزعة الثقة بين العرب والولايات المتحدة بما يسمح لشارون تنفيذ تصوراته في فلسطين وفي محيطها وبالتحرر من الكثير من القيود الدولية. ان رئيس الوزراء الاسرائيلي يفكر بصراع تاريخي بدأ منذ مئة عام، وهو لا يتقبل فكرة قيام دولة فلسطينية ويرد على من يسأله ان الدولة الفلسطينية غير ممكنة في اقل من 10 اعوام وهو يسعى بجدية لمزيد من المهاجرين اليهود من كل دول العالم وذلك لادخالهم في ذات الحرب والمعارك التي دخلت فيها اسرائيل في العقود الماضية. وبمعنى اخر يؤكد شارون ان عصره لن يكون عصر سلام، وان زمنه لن يكون سوى زمن حروب. ان قضية الهجرة بالتحديد قضية حساسة عربياً وفلسطينياً لانها تعني سعي شارون للضغط على الفلسطينيين من خلال اعداد جديدة من اليهود. وهي تعني ايضاً موجة من المهاجرين الذين يحملون تصورات محددة عن العرب والمسلمين، وهي تعني ايضاً مزيداً من الاستيطان وربما اخذ اماكن العرب في اسرائيل. فكل مهاجر يأخذ مكان عربي. وكل آت من وراء الجبال والبحار يأتي بوقود جديد للصراع. ان الدعوات الاميركية سواء أجاءت من الكونغرس ام من البيت الابيض ومن الرئيس بوش والتي تدعو شارون للقبول بحل وسط من اجل السلام هي عكس ما يسعى اليه رئيس الوزراء الاسرائيلي. والمشكلة الثانية ان كل دعوة اميركية حول ضرورة ايقاف الاستيطان، او ضرورة الانسحاب، او اهمية قيام الدولة الفلسطينية توازيها اصوات داعمة لموقف شارون في الادارة الاميركية او في مساحات الكونغرس وأوساطه المؤثرة. في زيارته الاميركية قال شارون الكثير. وهو في هذا اكد لمستضيفيه انه يستعد لمزيد من المواجهات التي قد تحرج الولايات المتحدة عربياً ودولياً. الادارة الاميركية تواجه حرباً على الارهاب، والحرب على الارهاب تتطلب تعاون الدول العربية وتتطلب تهدئة النفوس في العالم العربي تجاه عناصر عديدة في السياسة الاميركية المتجهة للقضية الفلسطينية. في نهاية الامر بلا توجه اميركي يضع حداً للتجاوزات الاسرائيلية وبلا معادلة مقنعة للسير نحو تسوية عادلة سوف تعود الاوضاع نحو نقطة الصفر. ـ استاذ في قسم العلوم السياسية ـ جامعة الكويت