انعقدت بتونس يومي 8 و9 مايو الماضي ندوة علمية نظمتها الجمعية التونسية للاتصال وكانت مندرجة في نطاق البحث العلمي الذي شرعت فيه الجمعية منذ تأسيسها في سنة 1985، وشمل مختلف مجالات الإعلام والاتصال والمعلومات. وكان من أول استنتاجات هذه الندوة ان ثورة المعلومات سوف تتواصل في بداية القرن الحادي والعشرين، وانها لن تكتسب كامل مقوماتها إلا عندما يبلغ الانسان المستوى الذي يمكنه من توظيف عقله وتحريك جوارحه وتفعيل كامل حواسه عن بعد، مروراً بتملكه لتقنيات نقل الرائحة والطعم واللمس الى جانب الاستمتاع والمشاهدة عبر شبكات الاتصال. إذ ذاك تتيسر امكانية محاكاة الواقع، ويصبح الانسان قادراً على سماع ما يقال بعيداً عنه، ومشاهدة ما تعجز العين المجردة عن رؤيته، وشم رائحة العطورات المعروضة على الشاري عبر الشاشة الصغيرة، ويذوق طعم الأكلات الشهية التي توحي بها الإعلانات، وتلمس نعومة المنسوجات الحريرية وغيرها من البضائع عبر الشبكات الالكترونية، وذلك اضافة الى بقية الحواس الاخرى مثل توارد الخواطر التي لا يسيطر عليها علمياً الفكر الانساني حتى اليوم. كما انه سيصبح بالامكان محاكاة الواقع بمختلف مظاهره، وستتيح لنا تقنيات الواقع الافتراضي التنقل الى أماكن لا يتسنى لنا بلوغها بأية طريقة أخرى، وتحقيق أهداف طالما راودت مخيلتنا. ومن ذلك ان طبيب أمراض القلق سيكون قادراً على التطرق في مختلف انحاء القلب المريض لفحصه بطريقة لم تكن لتتاح له أبداً من خلال استخدام الآلات التقليدية، كما يمكن لجراح أن يجري عملية دقيقة استعانة بتلك الأجهزة وعن بُعد. وسيمكننا التجوال في الفضاء وبمختلف الكواكب والأقمار. ولكي نؤدي المحاكاة بنجاح، فإننا نحتاج في واقع الأمر الى مجموعتين مختلفتين من التكنولوجيات: البرمجيات التي توفر المعلومات الجديدة، والاجهزة التي تتيح للكمبيوتر امكانية نقل المعلومات، وسيتعين على البرمجيات ان تحل المشكلة المتعلقة بوصف المظهر بكامل تفاصيله من حيث الصوت والصورة والرائحة والمناخ المحيط. وبامكاننا من الآن كتابة البرامج المطلوبة للواقع الافتراضي، لكننا نحتاج الى كم أكبر من القدرة الحاسوبية لكي نجعل هذا الواقع قابلاً للتصديق. على ان هذه القدرة ستتوفر قريباً في ضوء تسارع التقدم التكنولوجي. والسمع هو الحاسة القابلة للخداع قبل غيرها من الحواس أما العين، فعلى الرغم من خداعها أعسر مقارنة بالاذن فإن الابصار يظل في متناول الطب الحديث. وقد جاءت الدراسات العلمية مؤكدة قدرة الطب على اعادة البصر لمن فقدوا هذه الحاسة وذلك من خلال كاميرا صغيرة مرتبطة بدماغ الانسان في شكل نظارات. إن المشكل الحقيقي بقي الى حد الآن يتمثل في صعوبة التعامل الخداعي مع بقية الحواس، وذلك لأنه لم تكن هناك طرق مناسبة لوصل الحاسوب بالأنف واللسان أو بسطح البشرة والجلد، أما اليوم فإن الحاسوب أصبح قادراً على نقل 200 رائحة متميزة أي ثلث مجمل الروائح التي تؤلف بيئتنا اليومية. وفي هذه الاثناء، تتواصل البحوث العلمية والاكتشافات ويتقلص شيئا فشيئا حجم الحاسوب، حتى تصبح مركباته في حجم الذرة، ويتطور شكل الالياف الضوئية والكوابل حتى تصبح قابلة للانتشار في جسم الانسان، الى جانب زرع الجزيء الهيدروجيني في مختلف اعضاء الجسم. وسيفتح ذلك آفاقاً جديدة لا تكاد تخطر اليوم على البال الى الذهن وستعمم كل هذه التطبيقات العلمية ويصبح في امكان الانسان العادي توظيفها في حياته اليومية عبر انتشار الارسال بالكابل والتلفزيون التفاعلي الذي سيساعد على ظهور شبكة علاقات واسعة تتكامل من خلالها المؤسسة الاكاديمية والشركات التجارية والمنظمات الحكومية وغير الحكومية، إذ ذاك يتحرك الانسان وكأنه قادر على تفعيل كامل حواسه ومشاعره عن بُعد. إن الهدف من هذه الندوة العلمية هي تقديم تصور لمختلف الاكتشافات والاستخدامات الجديدة لتكنولوجيات الاتصال التي سيحققها الانسان، والجديد في هذا السياق هو ربط الحاسوب بالحواس واعتماد نسق منهجي لاستشراف المراحل المقبلة للثورة التكنولوجية إذا اعتبرنا ان ظاهرتها الأولى كانت يوم تمكن الانسان من نقل الصوت عن بعد أي عبر الاسلاك الهاتفية وموجات الأثير. ونحن نؤمل التمكن من استجلاء بعض التطبيقات المقبلة التي سترتبط بتفعيل مختلف الحواس البشرية عبر الشبكات الالكترونية مع التركيز على حاسة الشم أو بالاصح على الأنف الالكتروني ومدى انعكاس ذلك على الحياة إلا أن أمامنا صعوبات فنية لابد من تذليلها فيما يتعلق بمطابقة الارسال لمختلف التفاعلات بين الحواس ويكون اللمس أول ظاهرة حاسية آتية بعد نقل الصورة الالكترونية، كما ان نقل الروائح عن بعد لن ينتظر طويلاً إذا تذللت بعض العقبات القانونية وإذ ذاك ستتسارع الاحداث وتنتشر تقنيات نقل الرائحة مع الصورة والصوت. ـ خبير اعلامي تونسي