أكد «هانز تيتماير» الرئيس السابق للبنك المركزي الألماني خلال الفترة من 1993 إلى 1999 ، والذي كان أحد المنافسين على رئاسة البنك المركزي الأوروبي، أن أوروبا تتخبط ولا تدري إلى أين تتجه، وان كان كلام الخبير الاقتصادي الألماني ينصب على الجوانب الاقتصادية التي كانت السبب في عدم قدرة العملة الأوروبية الموحدة «اليورو» على منافسة العملة الأميركية «الدولار» في أسواق المال العالمية، إلا أن هذا الكلام ينطبق أيضا على التوجهات السياسية للاتحاد الأوروبي الذي فوجئ بانفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم سياسيا وعسكريا بعد أحداث نيويورك وواشنطن، والعجز الظاهر لمعظم زعماء أوروبا على اتخاذ موقف يضع الاتحاد الأوروبي سياسيا ما يمثله اقتصاديا على مستوى العالم. ربما كان هذا السبب، أي التخبط الواضح في توجهات زعماء أوروبا، وراء تغيير جدول الاجتماعات الدورية التي تقام في أسبانيا حاليا باعتبارها الرئيس الحالي للاتحاد، وآخر تلك اللقاءات لقاء القمة المقرر عقده غدا وبعد غد (السبت والاحد) في اشبيلية والذي ينهي الرئاسة الإسبانية التي استمرت الأشهر الستة الأولى من العام 2002. بعد أن كان رئيس الوزراء الإسباني ورئيس الدورة الأوروبية الحالية خوسيه ماريا ازنار يخطط لأن تكون فترة رئاسته للاتحاد ذات طابع سياسي يؤكد على استقلالية القرار في مواجهة التكتلات الدولية الأخرى، ومن بينها الولايات المتحدة، لا من اجل تحقيق هدف للاتحاد الأوروبي بقدر ما هو تحقيق لطموح شخصي بحث عنه طويلا، فقد وجد رئيس الوزراء الإسباني نفسه مجبرا على التراجع عدة مرات عن إعلان سياسة مغايرة للسياسة الأميركية، وربما كانت تصريحاته «المتناقضة» حول الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة واضحة تمام الوضوح في هذا المجال، كم من مرة يطلق تصريحات سرعان ما يقول ما يناقضها في اليوم التالي، بعد أن تلفت واشنطن نظره إلى أن تلك التصريحات لا تتفق مع سياستها في المنطقة، وتحت غطاء الحفاظ على المصالح المشتركة. تحت مثل تلك الضغوط وجدنا أن موضوع «الهجرة» غير الشرعية قفز فجأة إلى قائمة الأولويات السياسية، ويستحوذ على لقاء قادة أوروبا في اشبيلية، بل أصبح الموضوع الرئيسي تحت إلحاح عدد من قادة أوروبا الذين لا يريدون الدخول في «مغامرة» البحث عن سياسة خارجية أوروبية موحدة كما قال أحدهم، وأيضا الهجرة أصبحت الموضوع المفضل لدى جميع الأحزاب، خاصة اليمينية منها بحثا عن مزيد من الأصوات في صناديق الانتخابات باعتباره الموضوع الأهم بالنسبة للناخبين الذين بدأوا يتوجسون خيفة من المهاجرين القادمين من دول العالم المتخلف، تحت إلحاح ما تبثه وسائل الإعلام التي أصبحت تربط بين زيادة عدد المهاجرين وازدياد حجم الجرائم. هذا على الرغم من أن تقارير نشرت خلال الأشهر الماضية للأمم المتحدة تؤكد أن أوروبا في حاجة إلى 44 مليون مهاجر من مختلف المهن حتى تحافظ على ازدهارها الاقتصادي، وأيضا لتتمكن حكومات أوروبا من الوفاء بواجباتها تجاه كبار السن، لأن الرفاهية التي يتمتع بها المجتمع الأوروبي أدت إلى زيادة عددهم إلى درجة أصبحت التأمينات الاجتماعية التي يدفعها العاملون لا تكفي لتغطية المصروفات التي يحتاجها المحالون على التقاعد. بالطبع ازدادت أهمية طرح موضوع المهاجرين والتخوف من وجودهم وبشكل خاص القادمين من الدول العربية والإسلامية بعد الحملة الشرسة التي تقودها الولايات المتحدة بعد أحداث سبتمبر الماضي، والتي تبعتها فيها وسائل الإعلام الغربية، والإعلام المغرض الذي وجد في الأحداث الدامية التي تقع يوميا في الأراضي الفلسطينية المحتلة مادة للتأكيد على أن العنف «من خصال العرب والمسلمين» دون الحديث عن إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل من خلال عمليات الاغتيال اليومية وهدم بيوت على رؤوس أصحابها وهم نيام. حاول خوسيه ماريا زنار تبرير التغيير الذي ادخله على جدول اجتماعات قمة اشبيلية بان موضوع الهجرة اصبح اكثر إلحاحا، وان معظم زعماء أوروبا يتفقون معه في هذا الطرح، مع أن المراقبين يؤكدون أن هذا الطرح جاء بعد زيارته التي قام بها مؤخرا للولايات المتحدة والتي سمع فيها من الرئيس جورج بوش الابن ما يجعله يتنازل عن أي أحلام في الاستقلال السياسي الأوروبي بعيدا عن الهيمنة الأميركية، وأيضا لقاءه مع رئيس الوزراء البريطاني «توني بلير» الذي يعتبره المراقبون «رجل أميركا» في أوروبا، ودوره في هذا المجال لا يقل أبدا عن الدور الذي لعبته مارجريت تاتشر خلال فترة رئاسة رونالد ريجان سوى في الحزب الذي ينتمي إليه كل منهما. على الرغم من محاولة إضفاء صفة «الإجماع» على طرح موضوع الهجرة كأخطر المشاكل التي تواجه المجتمع الأوروبي وأكثرها إلحاحا، فان ربط وجود هذه الهجرة وازديادها خلال الأعوام الأخيرة بانتشار معدلات الجريمة في المدن الأوروبية اصبح ظاهرة سياسية مقلقة، من هنا سمع رئيس الوزراء الإسباني تحذيرات متكررة تؤكد خطورة هذا الطرح نظرا لما له من مدلول سياسي واجتماعي سلبي. كان رئيس الوزراء السويدي «جوران بيرسون» اكثر المعارضين لطرح الهجرة كموضوع رئيسي في لقاء اشبيلية، وحذر زملاءه من السياسيين الأوروبيين من خطورة هذا الطرح، خاصة أن معظم الدول الأوروبية تضم نسبا كبيرا بين شعوبها من أصول مهاجرة جاءت إلى أوروبا خلال الفترة التي كانت فيها في حاجة إلى الأيدي العاملة لإعادة الإعمار بعد الدمار الذي لحق بها خلال الحرب العالمية الثانية، وهذا الطرح يضع هؤلاء في موقف خطر يهدد بحدوث أزمات اجتماعية تهدد أمن المجتمعات الأوروبية، وتنهي السلام الاجتماعي الذي كانت تنعم به أوروبا حتى الآن. يضاف إلى هذا التأثير السلبي على المهاجرين الجدد الذين تحتاجهم أوروبا حتى تستطيع أن تحافظ على تطورها الاقتصادي المناسب الذي يجعلها تواجه تحديات مراحل زمنية قادمة. لكن يبدو أن الاستخدام السياسي للهجرة والحديث عن خطورتها يحقق للأحزاب اليمينية مزيدا من الأصوات في الانتخابات العامة مما يجعلها تؤكد على تلك الفكرة على الرغم من أنها تعلم مدى «زيف» وجود هذا الخطر، لان نسبة المهاجرين إلى نسبة الشعوب الأصيلة لا تزال قليلة جدا. تؤكد الإحصائيات أن المهاجرين يمثلون نسبة 9 في المائة فقط من عدد سكان ألمانيا، ولا يزيد عددهم عن 2.2 من سكان إيطاليا، وبنسبة اقل في البرتغال، فيما لا يصل عدد المهاجرين الأجانب في بريطانيا إلى 4 في المائة من مجموع سكانها، ومعظم هؤلاء المهاجرين حصلوا على حق الإقامة فيها بعد انسحابها من مستعمراتها المتعددة التي كانت تسيطر عليها خلال قرنين من الزمان وبنت اقتصادها من الثروات الطبيعية التي نهبتها من موطن هؤلاء المهاجرين. وان كانت نسبة المهاجرين في كل من هولندا والدانمارك تزيد قليلا على 4 في المائة، إلا أن نسبة المهاجرين في إسبانيا لم تصل بعد إلى 3 في المائة من عدد سكانها الذين لا يتعدى تعدادهم الأربعين مليونا. رغم ذلك نجد رئيس الوزراء الإسباني وزميله الإيطالي الأكثر تحمسا في طرح هذا الموضوع باعتباره الأكثر إلحاحا، لأنه يحقق لهما مزايا انتخابية هم في حاجة إليها للبقاء في الحكم أطول فترة ممكنة، بل أن سليفيو بيرلسكوني تحدث عن استخدام «سلاح» البحرية الإيطالية في وقف هذه الهجرة من خلال اعتراض السفن التي تقترب من شواطئ أوروبا، فيما أعلن توني بلير عن مشروع عسكري لحماية الحدود الأوروبية من المهاجرين من خلال استخدام السلاح الجوي أيضا في هذه المهمة(؟!)، مما يعني أن إغراق هؤلاء المهاجرين هو الهدف الذي يجب ان تحققه جيوش أوروبا التي ترفع شعارات حقوق الإنسان. المتابع لموضوع الهجرة، أو «الهجرة غير الشرعية» كما يطلق عليها البعض في أوروبا، يكتشف حقائق مذهلة، منها أن معظم السياسيين يطرحون هذا الموضوع في برامجهم السياسية ليس بهدف إيجاد حل لها، أو تنظيمها بما يحقق للمهاجرين حياة افضل لأنهم سيشاركون في أداء أعمال مطلوبة في الأداء الاقتصادي، ويغطون عجزا قائما في اقتصاد البلاد المستقبلة لتلك الهجرة، ولكن هؤلاء السياسيين يستخدمون الهجرة كسلاح انتخابي لجذب من أصابهم الرعب من هذه الهجرة وهم في النهاية ضحايا الدعاية السياسية اكثر منهم ضحايا المهاجرين. بل أن معظم هؤلاء السياسيين يتحدث بلغة مزدوجة، جانب منها موجه للمهاجرين من خلال تعداد المزايا التي يحصلون عليها لو انهم امتنعوا عن المخاطرة بحياتهم، أما الجانب الآخر موجه إلى جماهير الناخبين تتضمن تحذيرات مبطنة حول خطورة المهاجرين على المجتمعات الأوروبية، وبشكل خاص الخطورة التي يمثلها مهاجرو دول تنتمي إلى ثقافات أخرى، والثقافات الأخرى مقصود بها بالدرجة الأولى الثقافة الإسلامية التي تم الربط بينها وبين الإرهاب الذي اصبح سلاح التخويف السياسي الذي حقق لليمين الإيطالي فوزا ساحقا على اليسار، وجاء بسياسي ملاحق قضائيا مثل بيرلسكوني ليكون رئيسا لوزراء دولة يتهرب من دفع ضرائبها، وتكرر ذلك الأسبوع الماضي في فرنسا مع الرئيس جاك شيراك المتهم في قضايا مالية وفساد سياسي خلال فترة توليه منصب عمدة باريس. كاتب مصري مقيم في أسبانيا tshahin@maktoob.com