أخيراً، فعلها تيد تيرنر ملياردير الفضائيات مؤسس شبكة «سي.ان.ان» الاخبارية الفضائية الاميركية، وتسلح بنصف الجرأة، واعترف بأن الآلة العسكرية الاسرائيلية تمارس الارهاب ضد الشعب الفلسطيني، ودفعت الشباب الفلسطيني لتفجير اجساده ـ سلاحه الوحيد ـ في دفاع أخير عن النفس في مواجهة اعتى الاسلحة لجيش يمتلك أقوى أدوات الدمار في العالم. وفي تحد واضح للتيار العام السائد في الولايات المتحدة الاميركية، تساءل تيرنر: الفلسطينيون لا حول لهم ولا قوة، وليس لديهم ما يواجهون به جيشاً مسلحاً بأقوى آلة عسكرية في العالم، اذن من هم الارهابيون؟ والاجابة الواقعية واضحة، وضوح شمس أغسطس، لكن واشنطن، تحجبها غيوم الانحياز المطلق، وسحابات الدخان الكثيف لمنظومة مصطلحات تزييف الوعي، وقنابل الدعاية المسمومة التي تجعل رجل الشارع الأميركي مشدوداً على مدار الساعة بوتر هوس الارهاب و«فوبيا» الرعب والعداء لارهابيين شرق أوسطيين بملامح عربية ودوافع اسلامية، ويصبح من السهل على ماكينة الدعاية الصهيونية وضع الاستشهادي الفلسطيني في قلب مربع العداء، وجعله يتماهى مع الارهابي الذي تبث كل الوكالات الامنية والسياسية الاميركية في شبحه دماء الحياة، وتخيف به الاميركيين، على طريقة هوليوود وافلام الرعب. في ظل هذه الاجواء الكفيلة بتجفيف منابع النزاهة والموضوعية والحقيقة، يصبح مجرد التساؤل موقفاً شجاعاً، وخروجاً انسانياً على اوهام القطيع المسكون بهاجس مصطنع على طريقة فئران مختبرات السيكولوجي. ففي اجابته عن تساؤله الاعتراضي! من هم الارهابيون؟ رد تيد تيرنر نائب رئيس مجموعة أيه أو إل تايم وارنر المالكة لشبكة «سي.ان.ان» بأن الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني متورطان في الارهاب، رغم انه اعترف بأن وحشية الآلة العسكرية الاسرائيلية والقتل الممنهج للمدنيين العزل، والاحباط، والفقر هي جذور ودوافع للعمليات الاستشهادية الفلسطينية التي تجيء كرد فعل. ومن المقبول ان نفهم توقف تيد تيرنر واحجامه عن دمغ الاسرائيليين بالتورط في ممارسة ارهاب الدولة، واعتبار الفلسطينيين ضحية، ووصف العمليات الاستشهادية على انها مقاومة مشروعة عن النفس، ففي ضوء القيم النافذة والحاكمة للاعلام والسياسة الاميركية والارهاب الفكري يصبح الاقتراب من نصف الحقيقة، مغامرة كبرى، لا يقدر عليها سوى من يتمسكون بيقظة الضمير، حتى وان اجبروا على «لحس» كلامهم مثلما فعل تيرنر بعد يومين فقط من اتهامه بالغباء!! وعلى منوال تيرنر وغيره من الذين يتجاوزون الخطوط الحمراء الاميركية الصهيونية، سارت شيري بلير زوجة رئيس وزراء بريطانيا، وبكلمات خجولة حاولت الدفاع عن الاستشهاديين العرب، الذين رأت انهم حوصروا وتركوا بلا أمل، ولم يكن امامهم سوى تفجير انفسهم، لكنها اجبرت على التراجع. وبدلاً من القاء اللوم على الشخصيات الاوروبية والاميركية، التي تضطر للاعتذار عن اقترابها من نصف الحقيقة، وفضح جانب من الجرائم الصهيونية، ينبغي ان نتحلى بقليل من الشجاعة ونعترف بأننا مسئولون عن الكثير من الخلل المعرفي الغربي في فهم طبيعة «الاستشهاد» واكثر من هذا بأن كثيرين من الاعلاميين والسياسيين العرب تطوعوا للقيام بتشويه الشهداء وعملياتهم، واجترأ البعض من فاقدي الحس والوعي بالتاريخ على تخوين منفذي تلك العمليات، التي لا ينفذها الا من تسامت روحه وتحرر من سجن الانانية، وذاب في الانتماء لرسالة ودفاعاً عن شعب يفتح عيونه صباحاً على اجتياح ومذبحة ويتوسد ليلاً مشاهد الابادة والاذلال، محروماً من ظل جدار وشجرة على ارض سرقت ووطن اغتصب. ولا اظن، بأننا في حاجة للتذكير بخيبتنا الكبرى وفشلنا في التعريف بأبسط حقوقنا والدفاع عن قضايانا حتى في مجال الاعلام، تحولنا إلى كائنات استهلاكية تدور في فلك الهبات الموسمية، مثلما حدث مع الانتفاضة وسرعان ما خبا اهتمام الفضائيات العربية التي لم تقدم حتى الآن ـ على كثرتها ـ عملاً وثائقياً يمكن مخاطبة الغرب به، بل بعضها منح الاسرائيليين منبراً مجانياً، تحت وهم التعرف على الرأي الآخر.. وما اكثر اوهامنا.