أكذب الأشياء هي الصور الفوتوغرافية لأننا نكون في لحظة لا علاقة لها بالماضي ولا بالمستقبل. الصورة تعبر عنك في ثانية ، فإذا ما انتظرت حتى تنتهي الصورة وأحيانا يحدث هذا في دقائق لن تكون أنت صاحب هذه الصورة، لقد تغيرت. وزمان قال الفيلسوف الاغريقي: (أنت لا تنزل نفس النهر مرتين) ذلك انه تغير منذ أن نزلته في المرة الأولى. ومع ذلك فحكمنا على الناس مبني على الصور الفوتوغرافية، أو على الأصح على لحظات السكون. فإذا ما حاولنا أن نقيم شخصا، قال أحدنا انه غبي وقال آخر انه كسول وقال آخر انه طيب وقال آخر عكس ذلك كله. لأن كلا منا رآه لحظة مختلفة. وذات مرة قال لي أحدهم ان فلانا تولى منصبا رفيعا في الخارج. وانفجرت في الضحك ليس فقط لأنه خبر كاذب ولكن لأن فلانا لا يصلح لهذا العمل من قريب أو بعيد. ولكن بعد فترة ضربت كفا بكف لسوء المستوى الذي وصلت اليه ترشيحات المناصب الهامة. فقد كان فلان هذا يحوم حولنا أيام الشباب، ويدعي انه كاتب، وإن لم نقرأ شيئا مما كتب. وكنا نتسابق في علاقتنا به فلقد كان خدوما، ونكلفه بأي شئ يخطر على بالنا. أذكر أن أحدنا قال له انه لديه موعد، وأنه نسي ساعة الموعد، وانه حتى اذا كان يذكره لا يستطيع مقابلة صاحبه، وطلب منه أن ينتظره في (كافتيريا) طول النهار. وفعلا انتظر فلان طول النهار ليعتذر لصاحب صاحبنا. وكان يقال ان فلانا هذا له علاقة بأحد أجهزة الأمن. ولم يكن ينكر هذا بل كان يضحك إذا سألناه. ولقد حدثته في مشكلة أمنية وقعت فيها، ذلك انني كنت مسئولا عن مجلة (السينما) وكانت هناك رقابة على الصحافة بعد حرب 1967 وحتى على مجلة (السينما) وكنت أرسل إلى الرقابة (بروفات) المادة الصحفية فيعيدونها إلي بالموافقة، ولم يحدث أن اعترضوا على مادة واحدة، ولم يكن هناك احتمال لذلك. وذات مرة اتصل بي جهاز أمني وسألني هل الموضوع (كذا) اجازته الرقابة، فقلت بثقة (طبعا) فطلبوا مني الأوراق التي وافقت عليها الرقابة. ووعدتهم خيرا، فلما عدت الى أصول العدد لم أجد بينها المقال المطلوب. ذهب الى الرقابة بين مواد العدد. واعادت الرقابة المواد موافقة عليها كالعادة، ولم تعد هذا المقال، ولم يخطر على بالي انهم احتجزوه. واتصلت برئيس التحرير وكان الأستاذ سعد الدين وهبة فضحك سعيدا بوقوعي في هذا المأزق. ولما طالبته بالتدخل ابتسم ابتسامة غامضة. ولما قلت له ان رئيس التحرير هو المسئول جنائيا عن المجلة وانني لست سوى سكرتير تحرير، ظلت ابتسامته الغامضة، فاستربت في نواياه! وجاء فلان الى مكتبي، وكان آنئذ لي مكتب، وكان يمر على كل الأماكن المشابهة يوميا. ورأى حالتي فليس في قدراتي مواجهة جهاز أمني كامل ولا حتى جهاز أمني ناقص! وابتسم قائلا: ولا يهمك.. دع الأمر لي! وتركت له الأمر ليس اقتناعا بأنه يستطيع فعل شيء، ولكن نتيجة قلة حيلتي. ومن الغريب أن الأمر مر على خير ولا أدري هل كان لفلان فضل ام ادعى هذا؟ ومرت سنون حتى سمعت الخبر الذي اشرت له في البداية أن فلانا تولى هذا المنصب الرفيع. وأكد الجميع الخبر وسط ضحكات السخرية. وذات مرة كنت في أحد المطاعم ووجدت فلانا فجأة أمامي، ضحكت في استقباله. لكنه ابتسم ابتسامة صغيرة. مزحت معه كالعادة فتكلم بجدية شديدة. اضطررت أن أتغير لأسايره خلال دقائق هز يدي منصرفا على وعد أن نلتقي. وتساءلت هل تغير فلان أم اننا لم نكن نراه كما هو؟ هل كان وجهه الأول حقيقي أو أنه اصطنعه ليخدعنا؟! كل هذه الأفكار جاءتني وأنا أتلقى دعوة من أحد السفراء في الخارج. الاسم أعرفه جيدا. ولكنني لا أذكر متى سمعته ولا أين. رغم ان لي ذاكرة غريبة مولعة بالاسماء والمعلومات على حساب الوجوه عكس كل الناس. ومازلت أخجل من أن أقول أنني قابلت اسماعيل يس ولم استطع أن أميزه! وفجأة صالحتني الذاكرة فقالت ان السفير هو فلان الذي كان زميلا لنا في الجامعة. واستبعدت أن يكون هو. وربما كان الأمر مجرد تشابه اسماء. وسألت رجل السفارة عن الاسم الكامل للسفير. وسألته عن الكلية التي تخرج فيها. واجاب بما يؤكد أن سعادة السفير هو نفسه الطالب الساذج الذي أحب خادمة الجيران وكان يناجيها: ياشربات! حتى صارت نكتة زماننا. مازلت لا أصدق أن زميلنا الأهبل وصل الى هذا المنصب الرفيع، وكم حالة من حالات تشابه الاسماء.. وذات مرة قلت لأصدقائي ونحن في السيارة أن اسمي لا يتشابه مع أي اسم آخر فأشاروا الى محل في الشارع يملكه شخص له نفس الاسم. وذات مرة أعادوني من الطائرة لأنه صدر ضدي حكم بعدم السفر. ولما سألتهم عن السبب طلبوا مني مراجعة الوزارة. ولولا وجود مسئول كبير تذكر علاقاتنا العائلية القديمة، ماعرفت أن الرجل الذي تشابه اسمه مع اسمي منعته زوجته من السفر بحكم قضائي. وقلت لهم ان زوجتي أوصلتني الى المطار. ولكن لا حياة لمن تنادي. وبالطبع تكرر مثل هذا الأمر، لكن أفظعها يوم تجمع حولي رجال الأمن بالرشاشات في أحد المطارات وربما خفف قليلا وجود أحد كبار الفنانين معي. هذا جعلهم يتحدثون إلى بدلا من اطلاق الرصاص. وكان السؤال الذي كرروه ألف مرة: متى ذهبت إلى يوغوسلافيا؟ أو لماذا ذهبت؟ أو هل لديك جواز سفر صادر من يوغوسلافيا؟ وقلت لهم انني لم اذهب ولا مرة إلى يوغسلافيا، وبعدها تفككت وجاءتني دعوة لزيارة البوسنة لكنني اعتذرت لهول ماحدث لي في هذا المطار. ونعود إلى صديقنا الساذج الذي صار سفيرا. ما ان رأيته حتى قلت انه هو. فمهما تغير الإنسان تظل سماته الأساسية هي نفسها. لكنني قلت لنفسي انه يتشابه مع الكثيرين. وعندما صافحني وسط الزحام كنت قد قررت أن هذا الرجل ليس زميلي القديم، بل وانني لم أقابله قبل هذا اللقاء. ومضت فترة كنت قد صدقت فيها شكي.. ثم اذ به يأتي يتأبط ذراعي ويسألني: وما أخبار أحمد..؟ وكان أحمد زميلا وصديقا لنا. وإذ به صديقي القديم. ووجدت سيدة رائعة الجمال تتجه نحوي تحييني على أنني الصديق القديم لزوجها، فقارنت في ذهني بين صورتها الجميلة وصورة (خميسة عفيفي) خادمة الجيران! وأتذكر اسمها حتى الآن لأن السفير قبل أن يحلم بأن يكون سفيرا اشترى لها خاتما وضع عليه الحرفين الأولين من اسمها فأصبحت نكتة أيامنا. واستبقاني سعادة السفير بعد انصراف المدعوين، وجلسنا مجموعة صغيرة: ودون مقدمات بدأ يحلل الدوافع الاقتصادية وراء مايحدث في العالم، فأخذنا ننصت ونحن لا نكاد نتنفس لأهمية مايقول. كانوا يقولون انك لا تعرف أحدا حتى تعاشره ـ وربما كانت الحقيقة اننا لا نعرف أحدا.. اطلاقا!