لعل من أعجب ما سمعناه طوال الفترة الماضية (ولا نزال نسمعه) هو أن أعمال الإرهاب والعنف التي شهدتها المنطقة العربية طوال العقود القليلة الماضية ويشهدها العالم منذ هجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة، إنما هي بسبب القضية الفلسطينية وملابساتها. وهناك من يرد على الحملة الأمريكية المحمومة لمحاربة الإرهاب، بدعوة الولايات المتحدة إلى تغيير سياستها في المنطقة العربية، وإصلاح ميزان سياستها الخارجية المختل لصالح إسرائيل. وهناك من يرجع ما تعرضت له من هجمات بالطائرات المخطوفة بالذات إلى هذه السياسة، وانه لقطع دابر الإرهاب والعداء الموجه للولايات المتحدة يكفي أن تقوم هذه الأخيرة بالدعس على أنف إسرائيل وإجبارها على إعادة الأراضي العربية التي احتلتها وهو ما لم تستطع جيوش ثلاث دول عربية أن تفعله! هل توجد مغالطة للوقائع والحقائق أكثر من ذلك؟ ما قبل أسامة بن لادن! نعم لو قيل هذا الكلام في منطقة أخرى من العالم، لكان مفهوما، لكن أن يقال في منطقتنا العربية بالذات التي اكتوت بنار الإرهاب في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، وقبل أن يسطع نجم أسامة بن لادن، فهذا أمر يدعو للسخرية والاستهجان. إن من ضربوا مدن مصر بالقنابل والرصاص في الثمانينيات والتسعينيات واغتالوا رئيسها السابق وحاولوا اغتيال مثقفيها ومسئوليها، بما في ذ لك رئيسها الحالي في أديس أبابا، لم يتحدثوا وقتها عن القضية الفلسطينية، وإنما استخدموا لتبرير أعمالهم مصطلحات مثل جاهلية الحكم ودار الكفر والإيمان ..الخ. ومن أعملوا السكاكين في أعناق الجزائريين (ولا يزالون) منذ 1989، لم يقولوا أبدا أنهم يفعلون ما يفعلون انتقاما من الولايات المتحدة وإنما تحدثوا عن أن المجتمع كافر تجوز محاربته، وأن قتل الجزائريين هو تخليص لهم من آثامهم، وتطهيرهم من خطاياهم! هذا بالإضافة إلى عشرات الحوادث الإرهابية من قتل واغتيال تعرضت لها العديد من الدول العربية على أيدي جماعات العنف. جميع هؤلاء فعلوا ما فعلوا انطلاقا من فكرة سيطرت عليهم وهي إقامة الدولة الإسلامية، هؤلاء اعتبروا أن المجتمع كافر والحكومة كافرة، ومن ثم يجب قتالهما حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويتبعوا الطريق السليم! أما القضية الفلسطينية فهي لم تكن حاضرة أبدا في جدول أعمال جماعات القتل والإرهاب، ولم يحدث أن دافع هؤلاء عن الفلسطينيين أو طرحوا رأيا يخص معاناتهم، ولم يكن لهم في هذه القضية أي ناقة أو جمل. كل ما هنالك أنه لما وجد أسامة بن لادن وتنظيمه القاعدة أنفسهم قد تورطوا في الهجمات على أميركا وانهم يواجهون انتقام الولايات المتحدة، لم يريدوا أن يواجهوا الجحيم لوحدهم، وآثروا أن يأخذوا معهم أكبر عدد ممكن من العرب والمسلمين .. لذلك طرحوا القضية الفلسطينية والانحياز الأمريكي لإسرائيل، وروجوا لادعائهم الزائف بأنهم ضربوا أميركا انتقاما لما يحدث في الأراضي الفلسطينية أو في العراق أو كشمير أو الفليبين ...الخ. بكلام آخر فإن الإرهاب في المنطقة العربية أقدم بكثير من الهجمات على أمريكا، وسياسة أمريكا في العالم أبعد ما تكون عن المثالية، لكن غياب هذه المثالية ليس هو سبب الإرهاب. بالطبع لا أحد يجادل في أن الانحياز الأمريكي السافر لإسرائيل يزعج الفلسطينيين والعرب، وهناك شكوى مرة من أن السياسة الأمريكية في المنطقة غير متوازنة، فهي تراعي الأمن الإسرائيلي أكثر من أمن العرب، وهذا الانحياز بالمناسبة ليس شيئا جديدا، فهو قديم، كما أنه معلن، بمعنى أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة حرصت على الدوام على تذكير العرب وغير العرب بأن وجود إسرائيل وأمنها هما خط أحمر غير مسموح التفريط فيهما أو تجاوزهما. ومع أن الدول العربية لم تعلن معارضتها لهذا الخط الأمريكي، كما لم تبد نيتها في تخطيه، إلا أن المسألة برمتها تكتسب أبعادا نفسية وسياسية وعسكرية منهكة للعرب، سيما في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية واستمرار اضطهاد الشعب الفلسطيني وقمع طموحه في الاستقلال وتقرير المصير. وبالتالي تصبح المطالبة بتصحيح ذلك الخلل أمرا واجبا، طالما أن واشنطن تعتبر أن منطقتنا حيوية بالنسبة إليها. يمكن القول أن الفقر والاستبداد والقمع السياسي وغياب العدالة في المجتمعات العربية ربما تشكل سببا موضوعيا معقولا لنمو ظاهرة العنف والإرهاب، ويمكن القول إن فشل الحكومات العربية المتعاقبة منذ الاستقلال الوطني وحتى اليوم في إنجاز أهداف الاستقلال والتحديث، قد أوجدا الإطار السياسي والفكري لبزوغ ظاهرة الإرهاب. ويمكن القول إن التحديات الخارجية المستمرة بضغوطها الرهيبة على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية والعلمية والثقافية، قد دفعت الكثيرين في المنطقة العربية لاعتماد أسلوب المواجهة والتصادم. هذه كلها أسباب قد تبدو معقولة ومقبولة لتفسير ظاهرة الإرهاب وانتشارها، وهي لها علاقة بطبيعة تطور مجتمعاتنا ونوعية الحياة والفكر السائدين فيها، معطوفا ذلك كله على مد ديني رعوي اجتاح المنطقة في العقود القليلة الماضية. لكن بدلا من أن تعترف الحكومات العربية بفشلها في التحديث وبمسئوليتها عما آلت إليه الأوضاع في مجتمعاتها راحت تلقي تبعات ذلك على عاتق الانحياز الأمريكي لإسرائيل ضد الفلسطينيين، وبدلا من ان تعترف النخب الثقافية والسياسية العربية بأن لمشكلة الإرهاب جذورها الداخلية والمحلية المحضة، اتجهت لاستحضار مفاهيم الهيمنة الأمريكية والإمبريالية والتدخل في مناطق العالم ... الخ، طريقا لتبرير الهجمات بالطائرات المخطوفة وكل عملية إرهابية سابقة أو لاحقة. يترافق ذلك كله مع ما يشبه الهذيان أو الهوس الجماعي، الرامي لتبرئة يائسة لإرهابيي القاعدة والجماعات المتحالفة معها من أحداث 11 سبتمبر، حتى وهؤلاء يعترفون بملء أفواههم وبإرادتهم الحرة بأنهم استهدفوا الأميركيين وسيستهدفونهم بمختلف الوسائل والأسلحة التي يمتلكونها. ماذا نقول أكثر سوى إننا في منطقة تعودنا أن نضيع وقتنا وجهدنا في البحث عمن نلقي عليه تبعات مشاكلنا وأخطائنا، بدلا من أن نبذل هذا الجهد والوقت في البحث عن حول لتلك المشاكل. ـ كاتب من البحرين