انتهجت ادارة الرئيس بوش منذ مجيئها الى البيت الأبيض، في أوائل العام الماضي، سياسة ادارة الأزمة، في التعامل مع قضايا الصراع العربي ـ الاسرائيلي، بدلا من سياسة حل الأزمة (على طريقة الرئيس السابق بيل كلينتون)، وفضّلت النأي بنفسها عن ملف الشرق الأوسط حتى لا يضيع رصيدها بدهاليز مشكلاته المعقدة، وبدأت بعض الأوساط فيها تروج لتغيير في أولويات الأجندة الأميركية، اذ لم تعد التسوية مثلا مصلحة أميركية، في حين باتت عملية مكافحة «الارهاب» تحتل الأولوية على كل ماعداها من قضايا، كما أن هذه الأوساط بدأت تعيد الاعتبار لمقولة أن اسرائيل ذخر استراتيجي للولايات المتحدة الأميركية، على أساس أنه «ليس للغرب في الشرق أفضل من الغرب نفسه. على ذلك فقد استنكفت ادارة بوش عن القيام بدور فعال في رعاية عملية التسوية، على خلفية الحذر من التجربة غير الناجحة للادارة السابقة، وعلى أساس فلسفة مفادها ترك الطرفين، الاسرائيليين والفلسطينيين، لوحدهما في دائرة المواجهة الى اللحظة التي يستسلم بها أحدهما أو الى الدرجة التي يصل معها الطرفان الى حد الانهاك. ولكن هذه السياسة، من الناحية العملية، التي زاد عليها تغطية الادارة الأميركية للعدوان الاسرائيلي، على الشعب الفلسطيني، باعتباره دفاعا عن النفس، ووصم المقاومة الفلسطينية بالارهاب، وعدم استقبال بوش للرئيس الفلسطيني وتشكيكه في أهليته، شجعت شارون على البطش بالشعب الفلسطيني والامعان في حصاره وتدمير بنيته التحتية، كما أنها شجعته أكثر على محاولة شطب السلطة الوطنية الفلسطينية، ومحاصرة رئيسها عرفات، وصولا لتنفيذ مخططاته المعروفة بتقويض الوجود السياسي للشعب الفلسطيني واجهاض طموحاته الوطنية ودفن اتفاقات أوسلو، التي يعارضها، على الرغم من كل الاجحافات المتضمنة فيها بالنسبة لحقوق الفلسطينيين. ففي الولايات المتحدة الأميركية، مثلا، نشرت وكالات الأنباء نتائج استفتاء أعرب فيه 60 في المئة من الأميركيين عن تأييدهم لتقليص المساعدات التي يقدمها بلدهم لاسرائيل، اذا واصلت رفض تنفيذ الطلب الأميركي المتعلق بالانسحاب من مناطق السلطة الفلسطينية. وفي هذا الاستفتاء الذي أجراه معهد «هاريس» للأبحاث (في الأسبوع الأول من شهر أبريل) رأى 25% من الأميركيين في شارون عدواً للولايات المتحدة و20% رأوا فيه ارهابياً و65% أكدوا أنه لا يمكن الوثوق بحديثه. وفي استطلاع آخر للرأي أجرته صحيفة «واشنطن بوست» ومحطة التلفزيون «سي بي اس» في أواخر أبريل الماضي، أيد اثنان وأربعون في المئة من الأميركيين دورا رياديا لواشنطن في حل النزاع. واعتبر أكثر من نصف المستطلعين ان العمليات العسكرية الاسرائيلية في المناطق الفلسطينية ستؤدي الى زيادة العمليات ضد اسرائيل في المستقبل، كما أيد ثمانية وستون في المئة منهم اقامة دولة فلسطينية مستقلة، بعد أن كانت هذه النسبة تلامس الخمسين في المئة في أكتوبر الماضي، والأكثر من ذلك فإن 54 في المئة من الجمهور يخشون من ان الدعم الأميركي لاسرائيل قد يشكل خطرا على المصالح الأميركية في مكافحة الارهاب العالمي. ويمكن من خلال هذه الأرقام تفهم النجاح الكبير الذي حققته التظاهرة المؤيدة للفلسطينيين والتي نظمتها 300 جمعية أميركية، وشارك فيها حوالي مئة ألف مواطن أميركي من أصول اثنية مختلفة. ومن جهته فقد دعا الرئيس الأميركي، الأسبق، جيمي كارتر، في مقالة نشرها في النيويورك تايمز (21/4)، الادارة الأميركية الى زيادة ضغوطها الممارسة على اسرائيل، من أجل دفع المسيرة السلمية في الشرق الأوسط الى الأمام. مطالبا الادارة باستغلال المساعدات التي تقدمها لاسرائيل للضغط على الحكومة الاسرائيلية، على غرار ما قام به الرئيس السابق، جورج بوش، عام 1992 عندما أعلن عن وقف الضمانات الأميركية لاسرائيل. واقترح كارتر تقييد استخدام اسرائيل للأسلحة الأميركية للأغراض الدفاعية فقط، بعد أن استخدمت هذه الأسلحة لأغراض الهدم في جنين وقرى فلسطينية. وقال كارتر في مقالته: «آن الأوان لأن تدرس الولايات المتحدة، باعتبارها الوسيط الوحيد المعترف به، القيام بعملية أكثر قوة لدفع المسيرة السلمية، وستحظى مبادرة قيادية كهذه بمباركة من باقي دول العالم». ودعا الى نشر قوات دولية، وتحقيق سلام يستند الى قرارات الأمم المتحدة والمبادرة السعودية، مع بقاء شرقي القدس خاضعة لسيطرة اسرائيلية فلسطينية مشتركة، وتحديد حق العودة لعدد مقلص من الفلسطينيين. ووصف في مقالته شارون بأنه: «رجل قوي ومتسلط يسعى في نهاية المطاف الى توسيع المستوطنات في المناطق الفلسطينية، ومنع الفلسطينيين من اقامة كيان سياسي لهم». وكان زبغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأسبق، قد أكد، في مقال كتبه في نيويورك تايمز (8/3)، بأن ما يجري في المنطقة يمثل تهديدا خطيرا للمصالح الأميركية. وقال بريجنسكي: «يمكن للجدل ان يستمر الى ما لا نهاية حول من المسئول عن العنف: أهو ياسر عرفات أم ارييل شارون؟ ولكن الحقيقة الواضحة هو انهما لا يمكن ان يتوصلا الى سلام وحدهما، كما انه ليس بامكان أحدهما فرض مفهومه للسلام على الأخر. وثمة اجماع عالمي حالياً بأن سياسة الولايات المتحدة الخارجية أصبحت وحيدة الجانب، ومنافقة أخلاقيا». وأخذ بريجنسكي على الادارة الأميركية تغاضيها عن قيام شارون بتقويض مؤسسات السلطة الفلسطينية وعزل رئيسها عرفات ومحاولة ايجاد قيادة بديلة، مطالبا اياها بدفع خطة سلام مستندة الى قرارات الأمم المتحدة ومحادثات طابا بمصر، في يناير 2001، اضافة الى المشروع السعودي الهادف الى التطبيع بين اسرائيل والدول العربية. أما هنري سيغمان (أميركي ـ يهودي) وهو من لجنة العلاقات الخارجية، التي كانت معنية بمتابعة عملية التسوية في المنطقة، فقد انتقد نهج الادارة الأميركية، الحالي، ازاء النزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني وطالب في مقال نشره في منتصف شهر أبريل، الرئيس الأميركي بوضع رؤيته للسلام التي ضمنها في الحديث الذي أدلى به، يوم 4/4، موضع التطبيق والتدخل الفعال لدفع اسرائيل لوقف بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتوقف عن اذلال الفلسطينيين، والتقدم باتجاه اقامة دولة فلسطينية. المهم أنه ثمة مؤشرات تدفع الادارة الأميركية نحو مراجعة سياستها المنحازة تماما لاسرائيل، ولكن من المهم، أكثر، أن لا تداعبنا الأوهام بامكان حصول تغير في السياسة الأميركية يتجاوب، تماما، مع حقوقنا ومصالحنا، فأميركا لن تتخلى عن دعمها لاسرائيل وضمانها لأمنها ولتفوقها الاستراتيجي في المنطقة، وأميركا أيضا لن تحل محلنا في كفاحنا من أجل قضايانا. وعليه فانه حتى تأخذ هذه المراجعة باعتبارها مصالح العرب وحقوقهم، فان ذلك يتطلب مزيدا من الجهد السياسي والدبلوماسي ومزيدا من الضغط بمختلف أشكاله، في عالم تحكمه المصالح وتوازنات القوى. ـ كاتب فلسطيني