قيام دولة ما بارسال فريق سري مسلح إلى دولة أخرى لاغتيال رئيسها يجب أن يعتبر عملاً ارهابياً.. وإلا فما هو تعريف الإرهاب؟ وهل من حق دولة واحدة ان تحتكر لنفسها سلطة تحديد ما هو ارهابي وما هو غير ذلك في أي بقعة من هذا العالم العريض؟ وهل من حقها بهذا المعيار الذاتي الفضفاض أن تنفرد بتجريد حملة علنية أو سرية لاستخدام العنف ضد أي دولة أخرى بمنأى عن هيئة الأمم المتحدة وميثاقها ومباديء القانون الدولي؟ نطرح هذه التساؤلات بمناسبة ما رشح عبر صحيفة «واشنطن بوست» القريبة من المجتمع الاستخباراتي في الولايات المتحدة، من ان الرئيس بوش أصدر أمراً رئاسياً الى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي.آي.آيه» لوضع نهاية لحياة الرئيس العراقي صدام حسين. في التراث الاجرامي لعصابة «المافيا» الأميركية تبرز بصفة خاصة شخصية «القاتل المأجور» كأقرب المقربين لزعيم العصابة، فلا يتلقى أوامر إلا من الزعيم نفسه الذي يكلفه من حين لآخر بمهمة اغتيالية تستهدف إما عضواً في العصابة أو شخصاً خارجها وربما يكون من حق أي ادارة أميركية أن تقتدي بنهج «المافيا» كتراث «وطني» أميركي طالما انحصر تطبيق هذا النهج داخل الولايات المتحدة، لكن ليس من حقها اطلاقا ان تنقل هذا الاسلوب الغريب ـ وهذا أقل ما يمكن أن يوصف به ـ الى ساحة التعامل الدولي مع الدول الأخرى. لكن المشكلة ان العالم بعد أحداث 11 سبتمبر أعطى الولايات المتحدة بصورة ضمنية تفويضاً كاملاً لتقرير ما هو ارهابي وما هو شرعي، دون الرجوع الى قانون أو ميثاق دولي أو حتى مشاورة مسبقة مع الآخرين. باصدارها أمراً أحادياً لاغتيال رئيس دولة فإن الادارة الأميركية تكون قد شرعت في ارتكاب عملية ارهابية فاضحة بأي معيار سماوي أو وضعي بما في ذلك القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لكن مع ذلك، إذا صدر أي اعتراض من أي جهة ضد هذه الخطوة الأميركية فإن بوسع واشنطن أن تحتج ـ وهي محقة ـ بأن العالم إذ فوضها بمحاربة «الارهاب العالمي» فإنه لم يلزمها بتعريف محدد لمعنى «الارهاب» يمكن الرجوع اليه في مثل هذه الأحوال. تبلور هذا التفويض العالمي في جلسة استثنائية عقدها مجلس الأمن الدولي لتحديد موقف تجاه أحداث سبتمبر بناء على طلب أميركي. ورغم ان أعضاء المجلس لم يستطيعوا التوصل لاتفاق لتعريف الارهاب، إلا انهم أجازوا قراراً يقضي بمحاربته! باسم «مكافحة الارهاب» شنت الولايات المتحدة حرباً عسكرية شاملة في دولة وامتهنت حرمة أراضيها وشعبها، جنباً الى جنب مع حروب استخباراتية انتظمت العالم كله وتخللتها اعتداءات على العشرات من المنظمات الخيرية. وباسم «مكافحة الارهاب» أيضاً أيدت الادارة الأميركية ودعمت بشتى الوسائل حرباً ضارية شنتها اسرائيل على الشعب الفلسطيني اعتبرتها واشنطن من قبيل «الدفاع عن النفس» في وجه «الارهاب الفلسطيني». وباسم «مكافحة الارهاب» ينتشر الآلاف من عناصر «مكتب التحقيقات الأميركي» في أرجاء العالم، يعتقلون ويستجوبون ويعذبون دون أي حد أدنى من الاجراءات القانونية. إن تفسير هذه الاستباحة معلوم، ففي غياب نص لتعريف ما هو الارهاب متفق عليه دولياً، فإن القوة الطاغية في هذا العالم هي التي تنفرد بتحديد ما هو ارهابي وما هو غير ذلك.. وعلى هذا الأساس تنفرد أيضاً باتخاذ الفعل وفقاً لما ترى. وربما يبقى المجتمع الدولي عاجزاً الى أجل غير مسمى عن التوصل الى تعريف دولي لمعنى الارهاب. لكن تبقى مباديء القانون الدولي وبنود ميثاق الأمم المتحدة حداً أدنى لمثل هذا التعريف أو منطلقاً قانونياً له. والفعل الذي تعتزم الولايات المتحدة الاقدام عليه الآن لاغتيال رئيس دولة أمر لا يقره القانون الدولي ولا ميثاق الأمم المتحدة، وبالتالي فهو فعل ارهابي لاشك فيه. إن للولايات المتحدة كما هو معلوم وجهة نظر معينة تجاه الرئيس العراقي صدام حسين، لكن هذا لا يسوغ لها بحال من الأحوال استهدافه بالقتل وإلا لجاز لدولة ما لها وجهة نظر مماثلة تجاه الرئيس الأميركي جورج بوش أن تتبنى النهج نفسه للتعبير عن وجهة النظر هذه تجاهه بصورة عملية!