سارة روى، مثقفة أميركية تعمل باحثة في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة هارفارد المرموقة في الولايات المتحدة وفي اطار تخصصها واهتمامها العلمي بالمنطقة، فقد اختارت أن تركز محور هذا الاهتمام على قضية الشعب العربي الفلسطيني وبالذات على التنمية الاقتصادية، والتطورات الاجتماعية في الضفة الغربية وقطاع غزة في ظل الاحتلال الصهيوني. وقد اصدرت الاستاذة سارة روى دراسة مهمة في هذا المضمار اختارت لها العنوان التالي: قطاع غزة: الاقتصاد السياسي في مجال (اللاتنمية). وكما ترى، فقد آثرنا أن نضع الكلمة الأخيرة من عنوان هذه الدراسة للباحثة الأميركية بين هلالين كي تلفت النظر الى هذا المصطلح الذي تقصد به الدراسة الى تأكيد حقيقة أن مجتمع غزة (والضفة الغربية كما تتصور). لم يشهد تنمية شأنه في ذلك شأن كل مجتمعات العالم في شمال الكرة الأرضية وفي جنوبها وان الذي حدث هو ماأفضى اليه الاحتلال الاسرائيلي عبر 35 عاما للضفة والقطاع، من تفكيك للهياكل الاساسية للاقتصاد الفلسطيني.. المستضعف أصلا ومن تعطيل لمسيرة التنمية الاقتصادية ـ الاجتماعية الى ان وصلت الأمور الى حالة لا تلحق الخطر وحسب برفاه السكان الفلسطينيين هناك بل انها تهدد، أو تكاد تهدد بقاء، مجرد بقاء هؤلاء الفلسطينيين. لم يكن مصادفة اذن أن تكتب باحثة هارفارد بدراسة ضافية ورصينة وموثقة بالأرقام والحقائق المستندة الى مرجعيات دولية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومافي حكمها) وان تسهم بهذه الدراسة في متن كتاب تخطط (البيان) لتقديم عرض تحليلي لمحتوياته في الفترة القريبة القادمة. الكتاب يدور حول الانتفاضة الثانية، ويتمحور حول نضال الشعب الفلسطيني في مواجهة سياسة الابارثيد التي فرضتها وتمارسها اسرائيل ضمن اطار احتلالها العسكري للضفة والقطاع ـ ناهيك عن سياسة العدوان العسكري المدجج بأحدث وامضى أسلحة العصر والمتواتر بشكل يكاد يكون يوميا ضد السكان المدنيين في المدن والقرى الفلسطينية. والاشارة هنا ترد بطبيعة الحال الى سياسة الابارثيد التي سبق وانتهجها نظام المستوطنين البيض العنصري ضد الأغلبية الوطنية السوداء في جنوب افريقيا وهي السياسة التي وصفتها أدبيات الأمم المتحدة بعبارة (الفصل العنصري) وكان قوامها هو تقسيم وطن الأغلبية الأفريقية الى بانتوستانات بمعنى كانتونات أو بالأدق معازل بشرية ينحصر ضمن حدودها أو فلنقل ضمن جدرانها الحديدية (المكهربة) والشائكة الاسلاك في الحالة الصهيونية) ممايشكل أخبث واخطر انماط السلوك الذي يمكن أن تتبعه قوة احتلال في هذا الزمان. الدراسة التي اسهمت بها الاستاذة سارة روى جاءت في 20 صفحة واصلت فيها الباحثة الأميركية الدق على نفس الوتر الذي لا شك يقض مضجعها كدارسة ومفكرة تنتمي الى واحدة من الجامعات الأكثر احتراما في مجال الاكاديميا في العالم. وهذا الوتر هو الأحوال المعيشية التي يكابدها الفلسطينيون الواقعون تحت الاحتلال. ثم ان الاستاذة روى لم تختر منهجا توغل معه في أحداث تاريخ بعيد لو نسبيا في تقصي تلك الأحوال الاقتصادية، أو الاجتماعية لابناء الشعب الفلسطيني: لقد انتقت محور أوسلو في ظل سؤال بديهي يقول: ـ ماالذي حققته تسوية أوسلو بالنسبة للمواطن الفلسطيني؟ وعلى وجه أكثر تحديدا فالسؤال مطروح: ماالذي انجزته أوسلو بالنسبة للاقتصاد الفلسطيني بالذات؟ وعند الباحثة الأميركية، فإن الاقتصاد الفلسطيني أصيب منذ أوسلو بآفتين لخصتهما فيما يلي: (1) التدهور (2) التشوه. ولا مجال في سياقنا الراهن للحديث عن دراستها التي شكلت فصلا في كتاب (الانتفاضة الثانية) وانما أردنا أن نقدمها الى القارئ الكريم بحكم اهتمامها المتعمق بالشأن الفلسطيني.. أما حديثنا في هذا السطور فينصب على دراسة اخرى نشرتها سارة روى في واحدة من الدوريات الأميركية المهمة هي كرنت هستوري أو (الوقائع المعاصرة) (عدد يناير 2002) وكان عنوان تلك الدراسة هو: (لماذا فشلت مسيرة السلام: تشريح لأوسلو). وفي الدراسة المذكورة تذهب الباحثة الأميركية الى أن تسوية أوسلو ـ على خلاف ما قالت به دعايات كثيرة من أتاحت لاسرائيل أن تشدد قبضتها على المواقع التي تحتلها في الارض الفلسطينية بدلا من أن تمهد السبل لتفكيك دعائم ذلك الاحتلال. أضافت أيضا أن اسرائيل تجاهلت بل رفضت حق العودة للاجئين الفلسطينيين الذني تعرضوا لاغتصاب اراضيهم ولم تتحدث المصادر الاسرائيلية سوى عن عودة اعداد رمزية أقل من ضئيلة من هؤلاء اللاجئين الذين مازالت حقوقهم مكفولة ومكرسة في صلب قرارات ومواثيق وصكوك قانونية دولية. في تلك الدراسة كذلك ادانت سارة روى سياسة الاستيطان وما تفضي اليه من تقطيع أواصر الوطن الفلسطيني إلى كانتونات معزولة منبتة الصلات مع بعضها البعض. ورغم ان (سارة روى) وجهت انتقادات شديدة الى السلطة الفلسطينية لدرجة ان وجهت الى السلطة ذاتها حسب كلماتها تهمتي (الفساد والقمع)، فقد حرصت على أن تؤكد للعالم ان عدد الفلسطينيين (الأطفال بالذات) ممن يعيشون في ربقة الفقر (حسب تعريفه المعتمد دوليا) زاد من 650 ألف نسمة إلى 2 مليون ومائة ألف فلسطيني وحدث هذا التدهور في فترة زمنية قصيرة للغاية بين أكتوبر عام 2000 وابريل عام 2001 أي بنسبة تتراوح بين 21 في المائة و64 في المائة من السكان. ولم تكن أسباب هذا التردي الخطير في معيشة السكان لترجع فقط الى اجراءات الاغلاق الذي تفرض فيها سلطة الاحتلال الاسرائيلي الغاشمة حالات حصار على مدنهم وقراهم ولكن تعددت الاسباب لتشمل اجراءات الاحتلال في مصادرة اراضي الفلسطينيين حيث سجلت سارة روى استيلاء سلطات الاحتلال على 40 ألف فدان من تلك الاراضي وكان معظمها اراضي قابلة للزراعة والانتاج وتساوي أكثر من مليار دولار. هذه الدراسة التي نشرتها في مطلع هذا العام تلك الباحثة الجادة المنتمية الى مركز أكاديمي متخصص في جامعة هارفارد جاء نشرها ليثير عاصفة من الآراء والتعليقات التي بعث بها أصحابها الى مجلة (كرنت هستوري) التي ألمحنا اليها ممادفع القائمين على التحرير الى تخصيص مساحة واسعة في أحدث اعداد المجلة لتلك الآراء ثم لتعقيب نهائي عليها بقلم الاستاذة سارة روى شخصيا. ففي عدد مايو 2002 نشرة المجلة خمسة تعليقات كلها من كاتبين ومثقفين أميركيين يعيشون في مواقع مختلفة من الولايات المتحدة بمعنى ان ليس من بينهم عربي واحد ولا آسيوي واحد ولا مسلم واحد. ومن ثم فالحوار الذي تبدى من خلال هذه الرسائل أو التعليقات والردود يمكن ان يعطي صورة أو جوانب من صورة مايمكن ان يدور حول قضايانا المصيرية بين أطراف أميركية بالدرجة الأولى. وربما لهذا السبب جاء حرصنا في هذه السطور على ان نعكس ولو بتكثيف شديد صورة هذا الحوار. أول المتحاورين واضح من اسمه انه يهودي ولا غبار لدينا ـ بداهة ـ ان يدين الشخص، أي شخص بديانة سماوية فنحن كمسلمين مصدقون بماجاء به انبياء الله عليهم السلام من قبل خاتم الانبياء عليه السلام ولكن السيد موشيه موردخاي من ولاية (رود آيلاند) يطالب الباحثة سارة روى بأن تنظر الى مجمل الصورة بدلا من أن تورد ـ كما قال ـ كمية من الاحصاءات المتشائمة. وهو يوجه إليها (اتهاما) اذ يراها مؤيدة لوجهة النظر الفلسطينية ويرى انها تمعن في هذا التأييد لدرجة قد تحمل المرء ـ كما يقول على تصور أن (الأرض المقدسة) هي ملك.. للفلسطينيين.. ولا يفكر بهذا المنطق فهو لا يتورع عن القول بأن مصر هي التي خلقت منظمة التحرير بعد عام 1967 (وهو طبعا اتهام باطل فضلا عن كون التاريخ مغلوط فالمنظمة قامت منذ عام 1964) ويوغل صاحبنا في النزهات حين يقول ان القومية أو الكيان الوطني الفلسطيني لا يزيد عمره على 30 عاما! ويحيل الى أقوال واحد من أركان الارهاب العنصري الصهيوني وهو مناحيم بيجين الذي قال: ان الله اعطانا حق العيش في تلك الأراضي (فلسطين) منذ أربعة آلاف سنة.. الخ وأخيرا ـ وهذا مهم في فهمنا للدعايات المعادية الراهنة ـ يلجأ اليهودي الأميركي الى أهم خطوط هذه الدعايات حين يقول: ـ من الخطأ والضلال القول بأن الهجمات الارهابية المتواصلة واعمال العنف الدموية (من جانب الفلسطينيين) انما جاءت بسبب القمع الاسرائيلي. ان اسرائيل تريد مساعدة الفلسطينيين!ولكنها لا تستطيع الحديث عن سلام مع ارهابيين بسبب من أن الرئيس بوش لا يستطيع الاقدام على مثل هذا الأمر مع تنظيم (القاعدة). والطريف ان الباحثة تحفظت ـ هل نقول تعففت في ردها على هذه المقولات حين قالت انها لا تريد الدخول في مناقشات أو بالأدق مماحكات (لاستخدام الدين تبريرا للظلم والقمع) وان استخدام الدين بهذه الطريقة أمر ينطوي على تشويه الأمور والانحراف بها فيما تصل الى طرق سياسية مسدودة على حد قولها.. ثم خاطبت صاحب هذا الرأي قائلة في تحد أكاديمي كما قد نصفه: ـ يمكنك ياسيدي أن تصف احصاءاتي بأنها متشائمة أو شريرة ولكنها تصف في المقام الأول حقيقة لا أتصور انها تسعد أحدا لا أنت ولا أنا.. أما اتفاقات أوسلو فقد جاءت كي تقنن رفض اسرائيل المتواصل عبر خمسة عقود لقرارات الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي المتعلقة باللاجئين وبالقدس وبالاحتلال وحقوق الإنسان. وتختم باحثة هارفارد ردها بعبارات مهمة تقول: ـ أخيرا فإن التفاقم المؤسي والمثير والسريع في مستويات الفقر بين أفراد الشعب الفلسطيني منذ بدايات الانتفاضة الراهنة انما يرجع اساسا الى سياسات الاغلاق (والحصار) التي اتبعتها اسرائيل. ان اجراءات الاغلاق لا تمنع العنف بل ان الاغلاق (والحصار) هو الذي يخلق بالذات البيئة التي تفرخ الارهاب. ـ مثقف أميركي آخر معتدل الى حد ما كما تشهد سطوره يقول: ان الحرب والاحتلال أمران متساويان في الشر والقبح والتسوية بالتفاوض هي وحدها التي تجلب السلام وهذا أمر يستوجب تبادل الأخذ والعطاء وهو أمر لن يحدث مادامت القضية الفلسطينية يدعمها الارهاب والانتحاريون. ومرة اخرى ترد الكاتبة الأميركية قائلة ان الارهاب (ان أجزنا جدلا هذ المصطلح) لا يمكن فهمه خارج السياق الذي افضى الى وجوده وهذا السياق، بالنسبة للفلسطينيين هو استمرار الاحتلال الاسرائيلي باعتبار ان هذا الاحتلال هو اساس الصراع وجوهره. التعليق الوارد بقلم ديفيد سنغر يذهب الى ان مقتضيات السياسة الواقعية تقول بان السلام لا يتحقق الا اذا انسحق واحد من طرفي الصراع أو اذا اصابه الوهن والعجز عن الاستمرار.. ذلك لاننا ـ كما يضيف المثقف الأميركي ـ لا نعيش في عالم المحبة والسلام بل في عالم الخديعة والجبروت وقد ردت سارة روى قائلة: ـ أنا أطمح الى شئ أفضل من ذلك واكرم وقد حقق الجزائريون استقلالهم فهل كانوا في حال من تكافؤ أو توازن القوة مع الفرنسيين؟ ـ التعليق الراجح كان يمثل مراجعة حسابية لقيمة فدان الأرض الفلسطينية التي صادرتها اسرائيل ولم تقف الاستاذة سارة روى عند الارقام بقدر ماتوقفت عند دلالات فعل المصادرة والاستيلاء والاغتصاب لاجزاء من وطن الفلسطينيين وسبل معيشتهم. أما التعليق الاخير فهو المهم.. لقد كتبه أدموند هانور معرفا نفسه على الوجه التالي: مدير مؤسسة البحث عن السلام والمساواة بين اسرائيل وفلسطين، بولاية ماساشوستس ودار التعليق على أساس النقاط التالية: رغم ان دوائر كثيرة سوف تنتقد سارة روى بأنها كانت (متحاملة) على اسرائيل، الا ان تركيزها على نتائج أوسلو حال بينها وبين ان ترسم الصورة الكاملة ـ الصورة التي تقول بوضوح بما تمارسه اسرائيل من قهر للشعب الفلسطيني فضلا عن رفض اسرائيل وتجاهلها للقانون الدولي. هكذا لم تتطرق الاستاذة روى الى اقدام اسرائيل على تعذيب آلاف الفلسطينيين أو على تدمير أكثر من 6000 منزل فلسطيني وتحويلها موارد المياه المملوكة للفلسطينيين واقتلاعها عشرات الآلاف من بساتين الفاكهة الى غير ذلك من اجراءات العقاب الجماعي التي حاقت بالشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال. ويكفي هنا الاشارة الى ماكتبه (الصحفي الأميركي كريس هدجز مراسل نيويورك تايمز) في مجلة هاربر، عدد أكتوبر 2001 من انه رأى وعاين كيف ان الجنود الاسرائيليين كانوا في قطاع غزة يقتلون (نعم يغتالون) الاطفال الفلسطينيين من باب الهواية والتسلية وقضاء وقت الفراغ! في ديسمبر 2001 وجهت أكثر من 100 دولة من الدول الموقعة على اتفاقية جنيف الرابعة (لعام 1949) المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب وهي تنظم سلوك ومسئوليات الدولة القائمة بالاحتلال ـ وجهت هذه الدول نداء الى اسرائيل لكي توقف ماتمارسه من (مخالفات صارخة) لاحكام الاتفاقية وذكرت تلك الدول في مؤتمرها المعقود في جنيف أن اسرائيل ترتكب اعمالا من قبيل (القتل العمد والتعذيب والعقوبات الجماعية والترحيل غير القانوني.. ولم يكن لهذا كله أذن صاغية. علما بأن: المخالفات الصارخة هي بحكم التعريف تعد بمثابة جرائم حرب.. وعلما بأن اسرائيل قاطعت المؤتمر الدولي المذكور، وكذلك قاطعته الولايات المتحدة. ـ لم تتطرق الاستاذة الباحثة في هارفارد ـ مازال الكاتب المثقف الأميركي يتحدث ـ الى ان الارهاب هو الأسلوب الذي مارسته اسرائيل وليس غيرها في عام 1948 لكي تطرد مئات الآلاف من الفلسطينيين من ارضهم ولكي تدمر أكثر من 400 من قراهم، ولا ذكرت الاستاذة ان اسرائيل مابرحت على مدى 54 عاما ترفض قرارات الأمم المتحدة وأحكام اتفاقيات حقوق الإنسان التي تؤيد (حق العودة) للاجئين. ـ ثم يقول الكاتب الأميركي ادموند هاتور: ـ وفات الباحثة سارة روى ايضا ان تذكر ان نحو مليون من الفلسطينيين المسلمين والمسيحيين يعيشون بوصفهم مواطني درجة ثانية في داخل اسرائيل.. وتلك أوضاع تهدد بخطر محدق وجسيم مالم تكف اسرائيل عن مصادرة اراضيهم وحرمانهم من حقوقهم المتساوية في المسكن والتعليم وفرص العمل والخدمات الاجتماعية. أخيرا.. نقول ان الاستاذة (سارة روى) لم يسعها سوى ان توجه الشكر الى هذا المثقف الأميركي الشريف على مااضافة الى دراستها من معلومات. ورغم اننا لم نعرف الرجل.. فلابد من تسجيل امتناننا له.. فماقدمه من اضافات موثقة بالدليل الحي.. يؤكد ان العالم مازال يحوي الكثير من المنصفين.. والشرفاء. ـ كاتب سياسي من مصر