حين تحدثت قبل بضعة أيام عن موضوع نائب المدير الذي يعمل في احدى المؤسسات ذات الصلة المباشرة بالجمهور، واشدت بمبادراته في تحفيز الموظفين نحو تحقيق نتائج عالية في ميدان العمل من خلال التنمية الذاتية والمشتركة التي ساهم فيها ذلك المسئول، اتتني مجموعة من الاستفسارات تتشابه في معناها واخشى ان اقول انها تتشابه ايضاً في مبناها «والمبنى لدى اهل العربية هو النسق والنظام الذي تتشكل عليه حروف الكلمات» اقول كانت الاسئلة كلها تدور حول هذه النقطة التي رغبت في توضيحها اليوم، حيث بادرني هؤلاء بالسؤال عن دور المدير العام في صناعة ذلك النجاح، بل ذهب البعض الى اكثر من ذلك حين قال لقد اهملت عمداً دور المدير العام لانه يبدو انك لا ترينه صانعاً لذلك التميز ولو بدرجة بسيطة. لا اخفي انني كتمت غيظي حينها واريد اليوم ان افصح عن هذا الغيظ الذي سببه لي مثل هذا النوع من التفكير البسيط. نحن ايها السادة والسيدات ـ في محيطنا الاجتماعي نستقبل مجموعة من الافكار ونتداولها بيننا وكأنها حقيقة مطلقة لاتقبل التأويل او التبديل دون ان يكلف البعض منا نفسه في نقد تلك الافكار، واسقاطها على الواقع، وهل هي تعبر عن مصداقية ام انها من صنع الخيال؟! فمن تلك الافكار العارية عن الصحة ان بعضنا يتخيل ان النجاح الحقيقي هو الذي يقف خلفه شخصية كارزمية ذات مواصفات عالية جداً من حيث القدرة والكفاءة والسبق العلمي، ويتخيل ـ هؤلاء الناس ـ ان هذه الشخصية ذات الخصائص المتميزة هي التي تصنع النجاح وتشكله بطريقتها الخاصة بعد ان تضفي عليه من روحها وتوهجها الشيء الكثير!! وهو مطب ذهني اوقع اولئك الناس انفسهم فيه دونما دليل يؤيده الواقع، او حتى نظرية قرأوها بانفسهم في كتاب!! لن اكون متجنية اذن لو قلت ان هذا المطلب بالذات الذي تطلبه تلك الفئة لتحقيق التميز والسبق اصبح عذراً لهواة البحث عن الراحة، والذين لا يريدون ان يبذلوا الجهد المطلوب منهم تجاه اعمالهم، حيث انهم اغلقوا على انفسهم كل الابواب التي يمكن ان توصلهم لشيء من النجاح والتميز!! هل اكون بهذا قد اجبت عن اولئك الذين استفسروا عن دور المدير العام ارجو ذلك واليكم مزيداً من التفصيل. فالنجاح الحقيقي لا يصنعه شخص واحد انما هو جهد مشترك يقف على رأسه المدير العام بنفسه، والذي في تقديري انه الشجرة التي تخفي تلك الغابة المتشابكة من الاشجار الباسقة والثمار الندية. لقد كان جوابي حينها ان كل موظف ناجح في المؤسسة انما هو حسنة من حسنات ذلك المدير العام. اما عن سبب هذه الاجابة فيعرفها كل من لديه ادنى إلمام في خصائص الادارة المتميزة، والتي من بينها انها هي التي تفتح المجال للموهوبين والمبدعين لكي يمارسوا ادوارهم الطبيعية دون اي ضغط منها، او تدخل من شأنه ان يعيق تلك الانطلاقة التي عليها اولئك الموظفون. نعم.. الادارة المتميزة هي التي تصنع النجاح لكل فرد فيها ولذلك حينما لا نحدد في بعض المقالات الفضل لمن هو في قمة الهرم فهذا ـ باعتقادي ـ للثقة في فهم القاريء وفي سعة وعيه وادراكه بأنه لو كانت ثمة معوقات من اعلى الهرم لما نجح المبتدئون ولا من هم في الدرجات الوظيفية الارفع شأنا. ولكن ومع الاسف الشديد ، فإن كثيرين منا هم اسرى مفهوم الشخصية الكارزمية، او النظرية الوهمية التي ترجع النجاح لشخص وحيد تسميه صانع النجاح المطلق، وهو امر كما قلت خاطيء تماماً فالتميز الحقيقي نتاج الشفافية والتعاون والتكامل الذي يسود تلك الاجواء المفعمة بالحماس. من المحير حقاً ان يصر البعض على فكرة تجزييء النجاح، وتبعيض النجاح، وتقسيم النجاح وتعجز تلك الاذهان عن تصور روح التعاون والانتماء للعمل بعيداً عن روح «الأنا» البغيضة التي تقف وراء ما نحن فيه من ركود وسكون!!