سباقات والسيارات والدراجات وغيرها اصبحت موضة قديمة، وماراثونات البني آدميين مشياً وجرياً وقفزاً لم تعد تستهوي البعض ممن يرون ان اي سباق او ماراثون لا مبرر له، ولا فائدة منه مالم يحقق مصلحة شخصية.. او يصل به في خط النهاية الى موقع مهم او منصب مرموق.. او نيل لرضا من يهمهم الامر ومن بيدهم مفاتيح الابواب المغلقة، ومن تتعلق بشفاههم مصائر البلاد والعباد! حلبة السباق اليوم اتسعت، وخرجت بمتسابقيها الى العالم الرحب، ولم يعد للمتسابقين حاجة الى ملابس السباق العادية، بالعكس تماماً اصبح السباق ـ كما هو الحال في الحفلات الكبرى ـ بالملابس الرسمية، ولم تعد جوائز السباق هي تلك الكؤوس التقليدية الرخيصة التي لا يكون مصيرها في نهاية المطاف الا رفوف الذكريات، حيث انها لا تحقق للفائز بها ثروة ترفع رصيده في اي بنك.. ولا تقفز به الى اضواء الشهرة والمجد.. ولا ترشحه لمنصب يحقق له هذا وذاك، وهي الجوائز التي اصبحت ماراثونات اليوم تحققها للفائزين من متسابقيها الذين ترتفع بهم حدة المنافسة احياناً الى حد الصراع واستخدام كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة للوصول الى خط النهاية قبل غيرهم، فالمكاسب مغرية والجوائز سخية وكفيلة بتحقيق كل ما حلم به المتسابقون وكل ما لم يحلموا به.! في قمة هذه الماراثونات يأتي سباق (الهرولة) السياسية التي تتجه اساساً الى سيد البيت الابيض في اميركا بشرط نجاح المتقدم لها في تخطي سباق الهرولة الى تل ابيب، حيث ان الطريق الى البيت الابيض وسيده لا تفتح ولا يسمح بالمرور فيها الا لمن اجتاز بنجاح ماراثون الهرولة الى تل ابيب، حيث التصفيات قبل النهائية التي تؤهل الفائز فيها لدخول الماراثون الاعظم في بلاد العم سام..! آخر مبتكرات الماراثونات ما شارك فيه عدد من ابطال المبادرات السلمية حيث تنافسوا جميعاً على تقديم كل الوان المبادرات التي شارك في اعدادها طهاة ذوو خبرة في طبخ المبادرات ذات النكهة الاسرائيلية، راجين من رعاة الماراثون ان يقدروا ظروفهم الصعبة عربياً وشعبياً والتي قد لا (يعدلها ) سوى اعلان الحكم الاميركي فوز مبادرة اي منهم بالرضى والقبول! ماراثون الراعي الاميركي لا يقتصر فقط على اصحاب المبادرات، فهو سباق مفتوح طوال العام.. والمهرولون وحجاج البيت الابيض لا تنقطع وفودهم ولا تتوقف مهما كانت الظروف والاحوال.. ومهما كانت دوافعهم للمشاركة، ورعاة الماراثون لا يردون طلاب المشاركة اياً كان لونهم او عقيدتهم ماداموا مستوفين للشروط، وأول هذه الشروط هو تقديم فروض الولاء والطاعة لراعي ماراثون السلام.. والاقرار مقدماً بصحة وصواب كل ما اتخذه وكل ما سوف يتخذه من قرارات! هذا على صعيد الوضع العربي دولياً، اما على صعيد الوضع الداخلي ـ عربيا ايضاً ـ فحدّث ولا حرج عن ماراثونات على كل المستويات، وسباقات جري وقفز تتدافع فيها المناكب وتتصارع فيها الايدي والارجل ليفوز من يفوز فيها.. ولتدوس الاقدام بعد ذلك الخاسر، بعيداً عن الروح الرياضية التي تلفظ دائماً اخر انفاسها بعد بداية السباق بقليل!! ماراثونات العالم العربي لا تختلف عن مثيلاتها في العالم الثالث، وهي تبدأ في اعلى مستوياتها من قمة السلطة، حيث الفوز بموقع قدم لدى صاحب الفخامة رئيس عموم البلاد والعباد يعتبر نصراً مؤزراً، به تتحقق الآمال، وبالوصول اليه تنفتح سحرياً كل ابواب المجد والسلطة. والعز، والجاه، الفائز في هذا الماراثون يصبح صوته من صوت السلطان.. اوامره من اوامر السلطان ونواهيه من نواهي السلطان، كلب عند قدمي سيده ورب نعمته، واسد على الاخرين!! ماراثون الوصول الى واحة السلطة والسلطان لا يتوقف لمجرد الوصول، بل يبدأ بانتهائه ماراثون اخر اشد قوة وضراوة، فالسباق يستمر ويتعاظم للحفاظ على الموقع الذي حصل عليه الفائز، صراع البقاء اعتى واصعب من صراع الوصول، وسباق البقاء هذا يستلزم الكثير والمزيد من التضحيات، تضحيات بالمبادئ.. وبالقيم.. وبالاخلاق.. وبالكرامة، بل قد يمتد احياناً ـ في سبيل التشبث بأهداب السلطة ـ ليشمل ايضاً التضحية بالاهل وبالاقارب.. وبالجيران اذا لزم الامر..! ماراثون صراع الوصول الى السلطة لا يختلف كثيراً عن ماراثون الصراع على منصب حارس بناية.. او التنافس المحموم على الفوز بلقب (عمدة) لقرية لا يتعدى عدد سكانها المئات، بل قد يتجاوز، هذا الصراع صراع عتاولة مرشحي الجمهوريين والديمقراطيين على الفوز برئاسة اميركا نفسها، فكل مقدّر ـ كما يقول ـ لما خُلق له.. وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم (العزائم من العزيمة.. وليس من العزومة كما قد يتصور البعض).. والله اعلم! في نهاية المطاف يأتي الماراثون الاكبر.. ماراثون الدار الآخرة، وهو الماراثون الذي لا مهرب منه الا اليه، وهو ايضاً الماراثون الذي يحاول الجميع تأخير مشاركتهم الحتمية فيه دون جدوى فلا واسطة تنفع في ذلك ولا سلطة، وغالباً ما تنشر اسماء (الفائزين فيه في الصحف متبوعاً بعبارة (ولا عزاء للسيدات)..!!