«زمانك ثوبك»ليس: من يذم زمنه الذي هو فيه الا كالذي يذم ثوبه الذي ضاق عليه، فإن الثوب في الحقيقة ليس هو الذي يضيق وانما الانسان، هو الذي يزداد لحما وشحما حتى لا يكاد يسعه ثوبه الذي لطالما وسعه فإذا سمن وازداد حجمه راح يتهم ثوبه ويلقي عليه باللائمة. وقد تنبه العرب الى ذلك قديما وعلموا أن الناس هم الذين يتغيرون، لذلك قال لبيد بن ربيعة صاحب المعلقة، وقد ادرك تغير الناس لا الزمان. ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبَقيتُ في خَلفٍ كجلدِ الأجربِ حتى قالت عائشة رضوان المولى عليها عندما سمعت قول لبيد ذلك «فكيف لو أبصر زماننا هذا» وقال الذين اتوا بعدها فكيف لو رأت عائشة زماننا هذا وهكذا حتى نقول نحن فكيف لو ابصر من أتوا بعد عائشة فكيف لو ابصروا زماننا هذا. الغناء يبدو ان ما نعانيه في هذا الزمان ونكابده من طغيان أهل المعازف والطرب والغناء على عقول الناس واهتمامهم وتركهم لاهل العلم والادب والشعر ليس بالأمر الجديد ولا العّلة المستحدثة فهذا شاعر من الاوائل الذين مرت عليهم القرون الزاهرة العربية الذهبية واذ به وهو في ذلك الزمان يقول شاكيا جواز أهل العزف والغناء اي شهرتهم وانتشار امرهم فقال محمد بن مناذر في ذم ذلك ... يا طالب الاشعار والنحْوِ هذا زمانٌ فاسدُ الحشوِ نهارُهُ أوحَشُ من ليلهِ ونشوُهُ من أخبثِ النشوِ فدع طِلاَبَ النحوِ لا تَبْغِهِ ولا تقُل شعراً ولا تَرْوِ فما يجوز اليوم الاّ امرؤٌ مستحكم العزفِ أو الشدوِ ــ فماذا لو ابصر محمد بن مناذر عصرنا هذا وقد شاع فيه ليس الغناء والمعازف فحسب بل ذهب ذلك الزمان الذي تغنى فيه الاشعار ذات القيمة من القصائد .. كقول أبي فراس الحمداني أراك عصي الدمع شيمتك الصبرُ أما للهوى نَهي عليك ولا أمرُ ذهب ذلك الزمان مع شيء من تحفظ وجاء زمان يغنى فيه كلام هو اشبه بأقوال السّفهاء بل هو كذلك والا فأيّ عصر هذا يذاع فيه على الناس صباح مساء قول احدهم على الحان أهل الخلاعة مما لايطيب ذكره في هذا الموضع. «حكمة» قال حكيم «كيف يستقِر الكِبْرُ فيمن خُلِقَ من تُراب وطُويَ على القَذَر وجريَ مجرى البول» فكيف يتكبر الانسان على عامل او صانع او مزارع لطخه الطين والتراب وهو من طين وتراب وكيف يتقزز من مرأى فقير يناديه أيها الحقير وليس في ذلك الفقير الحقير من قذر ينجم عن أكل وشراب وخر الا وهو في ذلك الغني المتكبر. «تواضع» قيل لاحد الفُضلاء علمنا التواضع فقال اذا رأيت من هو اكبر منك فقل سبقني الى الاسلام والعمل الصالح فهو خيرُ منّي واذا رأيت من هو اصغر منك فقل سبقتُهُ الى الذنوب والعمل السييء فأنا شرُ منه. قال ابو العتاهية .. يا من تشرّف بالدنيا وزينتها ليس التشرف دَفعَ الطينِ بالطينِ إذا أردت شريف الناس كُلّهِمُ فانظر الى ملكٍ في زيّ مسكينِ «وقفة» جاء في الاثر عن نبي الأمة عليه الصلاة والتسليم «أن من تواضع لله رفعه». وقال احد الحكماء «كل نعمة يحسد عليها الا التواضع». تواضع تكن كالنجم لاح لناظر على صفحات الماء وهو رفيعُ فما بالنا نرى اكثر أهل المناصب والاموال بل اهل الاجسام والصور والوجوه الحسنة والاخلاق القبيحة يترفعون على الناس فإذا هم يمشون وكأنهم يحلقون في السماء يختبئون وراء ملابسهم الانيقة يعرضون على كل ذي حاجة يستخفون بكل من رأوه من لا سلطان له ولا جاه او لا مصلحة لهم عنده، فاذا بدا لهم صاحب السلطان والجاه او من لهم عنده مصلحة ذلوا واستكانوا وكانوا كبعض خلق الرحمن من الحيوان ممن اذا كان في سلطان صاحبه صاح وازعج الخلق وتوحش فإذا اخذ من جاه صاحبه وضع ذيله بين فخذيه وراح يعوى ذليلا حقيرا. لم هم كذلك لم لايكونون بشرا كما خلقهم ربهم سلما للناس في الحق وحربا على الباطل ان استطاعوا لا كبر ولا ذلة بل رفعة ومروءة في تواضع. سالم الزمر