نكأت قضية التغيير داخل السلطة الوطنية الفلسطينية جرحا عربيا عميقا، فحديث التغيير حديث الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، تتفاوت حدته من قطر لآخر لكنه حاضر على قائمة اهتمامات كل الأقطار، والتغيير للأفضل عملية مركبة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والثقافية والاجتماعية لتشكل معا معادلة تترتب نتائجها على مقدماتها، ومنذ بدأ العالم العربي مشواره للبناء الاقتصادي والاجتماعي بعد رحيل الاستعمار العسكري، ومصطلحات «التنمية» و «النمو» و «التقدم» تتردد في خطاب الأكاديميين والسياسيين بل عامة المتعلمين بلا انقطاع. وبطبيعة الحال لعبت الأحوال السياسية الدولية التي أعقبت استقلال هذه الدول دورا في دفع الكثير منها لاستلهام النموذج الاشتراكي في التنمية، ونتيجة تداعيات الصراع العربي الصهيوني ارتفعت أسهم المؤسسات العسكرية في العديد من الأقطار العربية، كاستجابة بدت - آنذاك - طبيعية في وجه تحد شامل يستخدم ذراعا عسكرية طويلة، وتفاعلت الطبيعة العسكرية لهذه الأنظمة مع الطبيعة الاشتراكية التي أصبحت الصبغة الغالبة على اقتصاديات الكثير من الدول العربية - تأثيرا وتأثرا - فتركت آثارا كبيرة على الثقافة بل على بنية المجتمعات عموما. الأيديولوجيا تبني إنسانها واقتضت فكرة التنمية من خلال النظام الاشتراكي تغليب منطق التغيير من أعلى، وتهميش دور المبادرات الفردية، وغلبة مفهوم التغيير الجذري الفجائي وأسلوب الحشد والجماعية بصيغها المختلفة، والتحكم في مسار التطورات الاقتصادية وكل ما يمكن أن يؤثر فيها من عوامل فأفرزت الاشتراكية أدبها وثقافتها، ووصل طموح البعض إلى أن يحلم ببناء ما أطلق عليه «الإنسان الاشتراكي الثوري»، كثمرة لعملية تحكم شاملة في عوامل التغيير في المجتمع، فبدلا من أن يبدع المجتمع ثقافته وسياسته ونموذجه الاقتصادي حلت الأيديولوجيا محل الإنسان ثم تغولت فحلمت ببناء «إنسانها». رأسماليون ضد الرأسمالية وأيا كانت نوايا من تمت على يديهم هذه التجارب ودرجة وطنيتهم فإن الحصاد كان مرا والخسائر كانت فادحة، كما أن ارتباط الأيديولوجيا - سواء كانت قومية أو شيوعية - بالطبيعة العسكرية للنخبة ترك بالتدريج أثرا عميقا في الكثير من مجتمعاتنا جعلها تميل بشكل متزايد لمحاصرة روح المبادرة والاختلاف، وتغليب التفسيرات التآمرية، واعتبار القدرة على مزيد من الانعزال عن «العالم العدو» أكبر درجات النجاح، عبر هذا عن نفسه في اكتساب أفكار مثل الاكتفاء الذاتي وإحلال الواردات على المستوى الاقتصادي وغيرها... المزيد من الأنصار، وتوج كل هذا بالنظر بقدر كبير من الريبة لمن يخالفون السائد وينتقدون الأوضاع القائمة. ومن يتأمل ما شهده العالم العربي من تحولات بدأت في عقد السبعينات بالتحول الاقتصادي الذي دشنه السادات في مصر (1974) وما توالى بعده من عمليات مشابهة في غيره من الأقطار العربية يدرك أن التحولات لم تتجاوز الإجراءات وبقى الاقتصاد يسير في اتجاه والثقافة تسير في اتجاه آخر، وحالت أوضاع الحريات السياسية دون أن يصبح للرأسمالية دورها الاجتماعي وتأثيرها السياسي بالقدر الذي يتساوى مع - أو يقترب من - وزنها الاقتصادي. ولم تكن هذه المفارقة الوحيدة فالرأسمالية الوليدة نفسها في معظم الأقطار العربية فضلت أن تتحالف مع النخب السياسية الرسمية، وأن تعطي ظهرها لقضايا الحريات التي تعد في كل المجتمعات ضمانة من أهم ضمانات الاقتصاد التنافسي. اقتلاع ثقافة التبرير ولم يختلف موقف الكثير من المثقفين عن ذلك فتحالفوا مع النخب الرسمية، حتى أصبحوا في كثير من الأقطار العربية جزءا عضويا من هذه النخبة، ورغم أن لهذا التحالف آثارا أخلاقية خطيرة، إلا أن أخطر نتائجه كانت تبرير الأوضاع القائمة والتماس الأعذار وتصيد الأمثلة والنماذج من العالم شرقا وغربا، لتصوير حالة التخلف التي نعيشها بوصفها أمرا طبيعيا، فطالما كان هناك «متخلفون آخرون » فمن المشروع أن نكون نحن أيضا متخلفين، ورغم أن المثقف رائد وعليه كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم ألا يكذب أهله، فإن كثيرا منهم كذبوا أهلهم بل ضللوهم عمدا بإشاعة أن ليس في الإمكان أبدع مما كان. وإذا كان التغيير يطرح من آن لآخر كمطلب غربي أو صهيوني فإن هذا لا يعني مخاصمته أو اعتبار الحديث عنه مشاركة في مؤامرة تستهدف الأمة، ويسبق تغيير الأوضاع القائمة اقتلاع ثقافة التبرير، وكف يد الأيديولوجيين من التيارات السياسية كافة عن منع الشعوب من حقها في التفكير والفعل والمشاركة في بناء المستقبل، فالتغيير ليس دائما عملا ثوريا ننجزه كما يخوض العسكريون معاركهم الفاصلة، بل بناء هادئ طويل النفس، وإذا أصبح التغيير روحا عامة في حياتنا اليومية فسيفرض نفسه حتما على صانع القرار العربي. ـ كاتب مصري