لا أدري لماذا تعنى الحكومة السودانية وحركة التمرد الجنوبية «الجيش الشعبي لتحرير السودان» بمواصلة التفاوض تحت مظلة «إيغاد» على أساس إعلان المبادئ الخاص بهذه المنظمة بعد أن تجاوزت تطورات متلاحقة هذا الإعلان. «إيغاد» هو الاسم المختصر بالحروف اللاتينية للمنظمة الحكومية «للتنمية ومكافحة التصحر» التي تضم سبع دول أفريقية متجاورة هي أريتريا واثيوبيا وجيبوتي وكينيا ويوغندا والصومال والسودان. في عام 1994 عرضت الحكومة السودانية، بموافقة «الجيش الشعبي» بزعامة جون قرنق، على المنظمة أن تتولى دور وساطة تفاوضية بين الطرفين من أجل البحث عن تسوية سياسية نهائية لمشكلة جنوب السودان بعد أن بلغ المسلسل التفاوضي الثنائي بين الطرفين منذ عام 1990 طريقاً مسدوداً. ولمدى ثماني سنوات متصلة حتى الآن والطرفان المتصارعان ينتقلان من جولة تفاوضية إلى أخرى دون نتيجة نهائية في إطار «إعلان المبادئ» الذي اقترحه وسطاء «إيغاد». فما هو «إعلان المبادئ»؟ يتكون إعلان المبادئ من بندين رئيسيين على أساس أن يكون أحدهما بديلاً عن الآخر. بناء على البند الأول يبقى جنوب السودان داخل الدولة السودانية الموحدة لكن بشرط أن تكون هذه الدولة ذات دستور علماني لا مجال فيه لأحكام الشريعة الإسلامية. أما إذا تعذر الاتفاق على هذا البند برفض الطرف الحكومي له من حيث المبدأ فإن على الطرفين في هذه الحالة قبول البند البديل... وهو إتاحة الفرصة لشعب جنوب السودان ليقرر مصيره بنفسه بين البقاء مع الشمال المسلم في دولة موحدة قد تطبق الشرع الإسلامي أو الانفصال التام لتكوين دولة جنوبية مستقلة. وقد نقول إن معالم القضية قد أصبحت في ضوء إعلان المبادئ هذا واضحة وبسيطة ومباشرة وان العرض المطروح منصف للطرفين المتنازعين. فإذا أراد كل من الطرفين الإبقاء على الوحدة القائمة فإن على الطرف الحكومي أن يتنازل عن أجندته الإسلامية أو أن يقبل الطرف الجنوبي صيغة دستور إسلامي... وإلا فإن الأمر يطرح على أقلية الشعب الجنوبي ليقرر مصيره النهائي بنفسه. لكن الأمور على الصعيد العملي التفاوضي لم تكن بهذه البساطة. وما جرى لم يخل من مفارقات. ففي مرحلة مبكرة طالبت حركة قرنق بتقرير المصير بينما رفضته الحكومة، وعندما توصلت الحكومة بعد بضع سنوات إلى قناعة بقبول مبدأ تقرير المصير ونقلت هذه القناعة رسمياً إلى الطرف الآخر عند افتتاح إحدى الجولات التفاوضية في نيروبي لم تكن دهشة وسطاء «إيغاد» بأقل من دهشة الطرف الحكومي عندما تقدم قرنق بمقترحات تنسف مبدأ تقرير المصير. كان ذلك قبل نحو أربع سنوات. ومنذ ذلك الحين ظلت العملية التفاوضية تدور في فراغ. فقد نسف إعلان المبادئ من أساسه برفض الحكومة الدولة العلمانية الموحدة ورفض قرنق الموافقة على تقرير المصير إلا بشروط تعجيزية تجعل تطبيقه عملياً غير ممكن. ثم جاءت رصاصة الرحمة قبل بزوغ الألفية الثالثة. فقد وقع انقلاب سياسي على صعيد العلاقة الثنائية بين السودان ومصر أدى إلى تحول هذه العلاقة من عداء مستعر إلى ما يمكن أن يعتبر تحالفاً استراتيجياً. وكان من أولى ضحايا هذا التحول مبدأ تقرير المصير لجنوب السودان. لاعتبارات استراتيجية مستقبلية تتعلق بقسمة مياه النيل وحصص دول الحوض تعارض القاهرة أية تسوية لمشكلة جنوب السودان يمكن أن تفضي الى انفصاله، وبالتالي قيام دولة جنوبية مستقلة تطالب قانونياً بحصة إضافية في مياه النيل. ولاعتبارات التعاون الاستراتيجي الجديد بين السودان ومصر تنأى الحكومة السودانية الآن بنفسها عن مبدأ التقرير للجنوب. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. فقد دخلت الولايات المتحدة على خط مشكلة جنوب السودان. ورغم أن المبعوث الرئاسي الأميركي لا يعترض على وساطة «إيغاد» كما ذكر في تقرير عن المشكلة أعده للإدارة الأميركية مؤخراً، إلا أن التقرير ينسف إعلان مبادئ «إيغاد» برفضه انفصال الجنوب السوداني. وهكذا، وبموت «إعلان المبادئ» تكون «إيغاد» قد انتهت عملياً. ولن يكون من الممكن إعادة إحيائها إلا بعد صياغة إعلان مبادئ جديد تتواكب بنوده مع المستجدات المتفاعلة.