جرائم الحرب التي يقترفها الاسرائيليون ضد كل مظاهر الحياة في فلسطين المحتلة وبخاصة خلال الاجتياحات الأخيرة، جددت التذكير بالخصائص المشتركة بين الصهيونية والنازية، على صعيد الفكر، وبين النظامين النازي والاسرائيلي على صعيد الحركة والممارسة تقدم هذه الجرائم أدلة وشهادات حية على صحة المشابهة الى حد التطابق بين العهد النازي في أوروبا والعهد الاسرائيلي في «الشرق الأوسط». استنادا الى هذه البراهين، التي وثقها عصر العولمة الاعلامية بالصوت والصورة وحملتها الى جهات الدنيا الأربع، صارت المحاكاة بين هذين العهدين مادة تتناولها وسائل الاعلام العربي على مدار الساعة، وفي إطار هذا الالحاح يعيد المعنيون العرب من كافة المستويات انتاج خطابهم حول الممارسات الاسرائيلية.. مرددين المفردات ذاتها تقريبا، التي تؤكد ما يفترض أنه تم توكيده لعشرات السنين، وزبدته أن اسرائيل دولة عنصرية نازية، بربرية، تنتمي لعصر الغاب، عاصية لقوانين الأمم المتحضرة، خطيرة على الاستقرار والسلم والأمن الدولي.. الى آخر هذه المصطلحات التي عرفها قاموس الحقبة النازية والمستلهمة منه أحيانا. نحسب أن توصيف اسرائيل على هذا النحو لا بأس عليه، لكنه لا يضيف شيئا فارقا الى إطارنا المعرفي حولها، وقد نذهب الى أن التكرارية التي تنطوي عليها هذه العملية أو المقاربة الوصفية، تفقد بمرور الوقت وهجها وجدواها، وأنها قد تثير الضجر نتيجة ابتذالها وكثرة تداولها. إن الجدوى الحقيقية سوف تنشأ عند الانتقال من مرحلة التوصيف التي استطالت جدا، الى مرحلة التصدي والمواجهة، وما دمنا قد اتفقنا على محاكاة النظام الاسرائيلي بالنظام النازي، فلنمدد خط هذه المحاكاة الى منتهاه، لنتبصر في الكيفية التي ووجهت بها النازية، عقيدة ونظاما وممارسات اجرامية. سنلاحظ هنا، أن إئتلافا دوليا واسع النطاق قد احتشد لاستئصال شأفة النظام النازي بعد تردد قصير، وهكذا فإن المسافة ما بين صعود هذا النظام ودحره تماما لم تتجاوز 12 عاما (1933 ـ 1945)، وكان من اللافت في تلك الحقبة الدامية، توافق أمم ونظم متباينة الأهواء الفكرية والسياسية بل والمصلحية لتحقيق هذا الهدف: لقد وضعت القوى الرأسمالية والشيوعية خلافاتها جانبا على اعتبار أن الأولوية الكبرى ينبغي أن تكون للتعاون على هزيمة خطر لا يستثني أحدا من شروره في هذا العالم، وكان ذلك التقدير صائبا، نظرا للمحتوى الارهابي الطليق الذي تضمنته النازية فكرا وحركة. وللحقيقة، فإن هذا التوافق بين دول معسكر الحلفاء لم يحدث بدون مشكلات، فقد كان هناك من يؤثرون مهادنة النازي، خوفا من بطش آلته الحربية الجبارة، أو طمعا في إرعواء أطماعه وإرضاء طموحاته على حساب بعض الشعوب التي التهمها جوف الرايخ الثالث في وقت قياسي، وكان من رأي نفل تشمبرلين رئيس وزراء بريطانيا ودالا دييه رئيس وزراء فرنسا عام 1938، أن تقديم تنازلات اقليمية أوروبية للفوهرر (الزعيم) أدولف هتلر، في بولندا وتشيكوسلوفاكيا والنمسا.. كفيل بوأد الفتنة التي أشعلها.. أو على الأقل كسب وقت للاستعداد لمواجهته. غير أن هذا الاتجاه لم يقدر له النجاح مقابل أصحاب التوقعات الأخرى، الذين استأنسوا برؤية أعمق قوامها أن الدوافع العنصرية والاستعلائية وأسباب القوة المسلحة التي يراكمها النازي، تتنافى مع أية ميول سلمية، وأن التنازل أمامه سوف يغريه بطلب المزيد وأن التهرب من منازلته هو إجراء مؤقت سيؤجل الحرب ولا يمنعها على الاطلاق كان هذا هو موقف الزعيم البريطاني ونستون تشرشل، الذي عقب على أطروحة تشمبرلين ودالادييه قائلا: «لقد خيرت بريطانيا وفرنسا بين الحرب والعار، فاختارا العار، لكن الحرب ستفرض عليهما». ومن المعروف أن هذا الاستشراف قد أثبت صحته بعد عام واحد فقط، باندلاع الحرب العالمية الثانية. السلوك الاسرائيلي الارهابي الصريح تحت قيادة أرييل شارون، لاسيما في ضوء مشاهد الاجتياحات المتوالية، يسوقنا حتما الى استحضار صورة القرين النازي في أوج زهوه وفتوته واستقوائه، ونبدو في هذا السياق، مجبرين على استكمال بقية عناصر السيناريو، باسترجاع التداعيات الأوروبية (الاقليمية) والدولية التي نشأت عن ارهاب الرايخ الثالث، وعندما نفعل ذلك، تتبدى لنا أوجه الخلاف المأساوي. لقد اتخذت أوروبا ومن خلفها المنظومة الدولية كلها، باستثناءات محدودة، القرار بالتصدي للنازية، أما بالنسبة للصهيونية وكيانها السياسي العنصري، فإن التردد والتخبط هو سيد الموقف، إقليميا ودوليا، لم يقدر عالمنا المعاصر بعد حجم الخراب الفكري والمادي، والحضاري عموما، الذي سيتخلف عن ديمومة وحش النظام الاسرائيلي طليقا بلا عقاب أو ردع، وأهم من ذلك، أن القوى المهيمنة دوليا متواطئة مع هذا النظام، وهذا يحول دون معاقبته عاجلا. أكثر من هذا مجافاة لمنطق مواجهة النازية، ذلك الدعم الذي تلقاه الصهيونية ونظامها الطغياني من الولايات المتحدة الأمريكية، الطرف الذي كانت مشاركته حازمة وحاسمة في هزيمة الرايخ الثالث، وينذر الموقف الأمريكي من «الرايخ الصهيوني» بزعامة «الفوهرر» شارون أو خلفاؤه بعهد يعيث فيه هذا الأخير الى حدود اقليمية أوسع من الدائرة الفلسطينية. وبالطبع، يمكن توجيه اللوم الى المحيط الاقليمي العربي، الذي لم يوفق بعد الى حشد طاقته الكاملة وراء الطليعة الفلسطينية في خط القتال الأول ضد النازية الاسرائيلية، هذا على الرغم من التوصيف العربي الصحيح لطبيعة اسرائيل.. الأوروبيون لم يعانوا من هذه النقيصة: لقد عبأت كل الشعوب الأوروبية تقريبا جهودها بلا إبطاء.. وتهيأت لقتال النازية بغض النظر عن اقترابها أو ابتعادها عن مركز الخطر، كما أنها لم تحاول تلمس التبريرات والأعذار لعدم المشاركة في تلك المنازلة. ويذكر أن بعض القوى الأكثر انغماسا في محاربة النازي، لم تكن بين أهدافه المباشرة حين اختارت قرار الحرب.. بريطانيا العظمى فعلت ذلك مثلا، بعد أن استشعرت ما سينجم عن التوسع النازي في جوارها الاقليمي، وهي بذلك تعاملت مع النازية بمنظور من يستشرف المستقبل والنوايا. أين هذه الخصائص الاقليمية والدولية التي ميزت التعامل مع العنصرية النازية مما يجري مع العدوانية الاسرائيلية المناظرة؟: لقد نجح العرب في اقناع أنفسهم بما بين النظامين النازي والاسرائيلي من عناصر تدعو للمحاكاة والمشابهة: لكنهم توقفوا عند هذا الحد، وهذا لا يكفي لتقريب ساعة الاجرام الاسرائيلي وهزيمته، فلكي يحدث ذلك لابد من أن يأخذ الجهد العربي مداه، أولا، بتعميم أو عولمة المفهوم العربي تجاه المحتوى النازي لاسرائيل فكريا وسلوكيا. وثانيا، بالعمل على تكوين جبهة اقليمية ودولية واسعة تضع مواجهة هذا المحتوى على رأس أجندتها على محمل أن مواجهة كهذه مطلوبة بالحاح لجعل عالمنا المعاصر أكثر أمنا وانسانية. ويبدو أن هذين الهدفين لن يكتب لهما التحقق بدون العودة عربيا الى زمن القناعة القديمة بأن الرايخ الصهيوني الاسرائيلي لن يستثنى من خطره أحدا منهم، وأن الفلسطينيين هم فقط البداية، تماما مثلما فعل الأوروبيون ذات حين مع الرايخ النازي ولم يتزحزحوا عن ذلك الى أن دحروه. ـ كاتب فلسطيني - القاهرة