نعلم اننا لا نخترع حقائق، ولا نأتي بمفاجآت، لكننا نتعجب من حالة بقاء الاوضاع على ما هي عليه برغم كل ما يكتب وينشر في اتجاه انتقاد، الاخطاء من حيث تجاوزات يتسبب فيها بشر معنيون، او تحدث نتيجة غياب القوانين والضوابط، فالاخطاء في بيئة العمل العام والوظيفة العامة لا تحدث في فراغ ولا تأتي من الفراغ، ومن تابع حوار رئيس ديوان المحاسبة منذ يومين قد لمس بالتأكيد مقدار المرارة في حديث الرجل، ومقدار الاخطاء واللامبالاة في التعاطي مع الوظيفة والمال العام من قبل مؤسسات ومسئولين خاضعين للرقابة العامة. وهنا يحضرني تساؤل تلك الموظفة التي حدثتني منذ يومين حول تجاوزات بعض كبار المسئولين او الموظفين في بعض المؤسسات في المجتمع، فقد سألتني بوضوح وبشكل مباشر لماذا لا تتم مساءلة هؤلاء او الموظفين الذين يعتبرون انفسهم او يسميهم المجتمع بكبار الموظفين؟ لماذا يتحركون في بيئة المؤسسة او الادارة بكامل حريتهم، يخطئون، ويمارسون تجاوزاتهم ومزاجياتهم العجيبة واهواءهم الشخصية على موظفيهم دون ان يوقفهم أحد او يسائلهم أحد او يطرح عليهم السؤال الذي يجب ان يطرح: لماذا تتصرف بهذا الشكل او ذاك؟ ولمصلحة من تضع قواعد العمل في فرعك او دائرتك بحسب مزاجك واهوائك؟ وماذا استفادت المؤسسة من اساليبك (الخاطئة) في الادارة؟ وبأي قدر تضررت؟ ان الذي نسمعه ونعرفه ونقرؤه ونتابعه ضمن حركة حكومة دبي في اتجاه تطوير بيئة العمل واساليبه من أجل رقي البلد ووضعه في مصاف المجتمعات المتقدمة، يتناقض مع سلوكيات موظفين ومؤسسات كبرى احيانا، تنتهج طرقاً واساليب مغرقة في السلبية والانانية والصراعات القائمة على المصالح الشخصية، والبيروقراطية والمزاجية المدمرة، ومحاولة القضاء على كل من يحمل فكرا اداريا مستنيرا او رغبة في التجديد والابداع والابتكار، فكيف يترك هؤلاء دون مراقبة او محاسبة، ثم نتحدث عن الجودة والتطوير؟ نحن جميعا مع جهود التطوير، ونؤمن بثقة مطلقة في توجهات صانع القرار ونواياه الخالصة والمخلص من أجل صالح الانسان والمجتمع، لكننا نؤمن ايضا بأن البناء لا يمكن ان يتم او يستقيم اذا كنت تبنيه وغيرك يهدم! وللاسف هناك كثيرون يمتلئون بنوايا الهدم والتدمير اكثر مما يحملون بذور النمو والابداع، ذلك انهم ولقصور فيهم او لعجز في امكانياتهم فانهم يغطون هذا الفشل وهذا القصور بتلك الاساليب الادارية المنحرفة. حدثتني تلك الموظفة عن ممارسات تتم في المؤسسة التي تعمل فيها، حيث ان لديهم موظفين من الشباب والفتيات المواطنات الذين يتميزون بحس الانتماء لوطنهم والرغبة في التجديد والتطوير خاصة في ظل استراتيجية وتوجهات صانع القرار في دبي، ولكن هؤلاء الشباب لا يجدون الفرصة لاظهار ما عندهم، وقد يقابلون بالقسوة والابعاد والتجاهل من قبل رؤسائهم الذين لا يرحبون بأفكارهم واقتراحاتهم، لانهم يعتبرون هذه الآراء والاقتراحات نوعاً من التدخل المباشر في صلاحياتهم الادارية العليا!! نحن نعتقد ان نموذج هؤلاء المسئولين المملوئين بعقد النقص والقصور موجود في كل مكان في العالم، لكنهم يتكاثرون بشكل ملفت في المجتمعات والبيئات الادارية التي تفتقد الى الضوابط والقوانين الحاكمة والضابطة لمسيرة العمل، والضامنة لحقوق الجميع، فحيث يعاني المجتمع من فقدان الضوابط ورخاوة القوانين يصبح الاختراق طبيعيا، ويصبح التجاوز وظهور هذه النماذج المعوجة امرا واردا ومألوفا، ذلك ان هؤلاء الموظفين الذين يصلون الى مناصب عليا بدون كفاءة احيانا، وبدون مؤهلات علمية عالية احيانا اخرى، وبطرق ملتوية تعتمد على العلاقات والمصالح والنفوذ والوساطات في احيان كثيرة لا يمكننا توقع الافضل منهم، لان فاقد الشيء لا يعطيه عادة!! ان امثال هؤلاء الموظفين يجدون في الموظف الشاب او الموظفة الشابة صاحب او صاحبة الافكار والاقتراحات والحماس والانتماء والتفوق، حاله من التهديد لمراكزهم، وحالة من فضح قصورهم ونواقصهم، ولذلك فهم يشجعون الموظفين الاقل كفاءة المجاملين، الصامتين الذين لا يميلون عادة للانتقاد او التذمر ويمتدحون خصال المدير (ومواهبه الفذة)، اما اصحاب الاصوات العالية المطالبون بالتطوير والتغيير فنهايتهم النقل من القسم او توقيع جزاءات معينة او التجاهل او .. !! مع ذلك فإن المثل القائل «في النهاية لا يصح الا الصحيح» مثل اثبت صحته، والبقاء للاصلح دائما، ومسيرة التقدم تحتاج الى صبر وتضحيات، والى وقود جيد يحترق ليشعل مسيرة النهضة، هؤلاء الشباب هم وقود المسيرة وعليهم الا ييأسوا ولا يسكتوا ابدا!!