بعد ان تلقيت الدعوة الكريمة للتواجد في هذه الزاوية وقبلتها بعد تردد، والتردد لم يكن مصدره الرغبة في عدم الكتابة، لان هذا شرف اعتز به، لكن مرده ضرورة تجهيز هذه الزاوية في الصباح الباكر من اليوم التالي للدعوة.. بصراحة ظللت لساعات في حيرة من امري خاصة وان عنوان الزاوية ارى ان له طبيعة خاصة.. وفي المساء ابقيت القلم طويلاً بين اصابعي وانا اضرب اخماساً في اسداس من اين ابدأ؟ وبينما انا على هذه الحال. تعالت الاصوات في غرفة المعيشة بالمنزل، فأسرعت لاستكشف الموقف واذا بنقاش حاد وجدل واسع على قضايا ذات طابع ديني، انتظرت قليلاً مستمعا دون تدخل في الحوار والجدل الدائر، بينما العقل الباطن كان مشغولاً بموضوع الزاوية وعندما وجدت ان الجدل سيطول تدخلت لا لأفصل في الموضوع، ولكن لاقول لهم ان طبيعة حواركم وجدالكم لن تصل بكم الى نتيجة يتم الاتفاق عليها بينكم، وفي حالتكم هذه استحضر قولاً للاستاذ عباس محمود العقاد مفاده: «ان الجدل الذي يطول فيه الاخذ والرد لغير شيء من هذا هو لغو كلام وفضول بطالة». وعندما عدت لمكاني حيث اوراقي وقلمي تعجبت من نفسي فما الذي جعلني اتذكر وبسرعة قول العقاد رحمه الله واستنجد به، فاذا بي استرجع تلك الواقعة التي لن انساها والتي ظلت محفورة في الذاكرة وتعود لسنوات طويلة. الزمان كان مطلع السبعينيات والمكان فيللا في شارع الكروم بمدينة المهندسين في القاهرة الفيللا كانت للسيد ناصر عبدالله حسين بن لوتاه وكنا مجموعة من الشباب نعيش فيها خلال فترة الصيف بعضنا جاء القاهرة للدراسة والبعض الآخر للسياحة والغريب ان في فترة السبعينيات كان صيف القاهرة يطاق خاصة عند مقارنته بصيفنا شديد الحرارة في حين اصبح اليوم صيف القاهرة لا يطاق كصيفنا ولا يحتمل الا بالمكيفات كحالنا، المهم في هذه الفيللا كنا نهجر غرف النوم ليلا ونتجمع في الصالة ونفتح الشباك الذي يطل على الشارع مباشرة لان الشباك كما يقول اخواننا المصريون يطل على الجهة البحرية ومن الجهة البحرية يأتي الهواء وفي الليل بالذات يكون اكثر برودة فيتحول الشباك الى نافذة مكيف نضطر غالبا قبيل الفجر ان يقوم احدنا ليغلقها من شدة البرد. في احدى ليالي ذلك الزمان اكتمل عقد المقيمين في الفيللا مبكرا لأنه وصلت دفعة جديدة من الاخوة من البلاد وعندنا ضيوف وكعادتنا بعد ان انتهينا من سوالفنا ومعرفة اخبار البلاد فتح احد الاخوة موضوع «الحب من اول نظرة» اتذكر ان الوقت في حينها لم يتجاوز العاشرة مساء ودار الحوار كل يبدي رأيه ويتحدث عن وجهة نظره، وبعد اكثر من ساعتين تقريبا وضح ان هناك اتجاهين هناك من يؤمن بوجود الحب من اول نظرة، واتجاه آخر لا يؤمن ولا يعترف بهذا النوع من الحب ومع انتصاف الليل بدأ البعض ينسحب من الحوار والجدل الحاد المستمر دون نتيجة فالبعض ودع وخرج والقليل رتب مرقده واستسلم للنوم وبقي الجدل محتدما بين آخر اثنين في حلبة الحوار، احدهما يدافع عن نظرية الحب من اول نظرة والآخر يقاتل ليدحضها. المهم انا شخصيا كنت من الذين اختاروا النوم بعد منتصف الليل مباشرة، لان علي ان استيقظ مبكرا للذهاب للدورة التي احضرها مع اخي وصديقي واستاذي جمعة غريب مبارك، الذي ندعو له بالشفاء ان شاء الله، وقبيل الفجر شعرت بالبرودة فتحت عينيّ ونظرت الى الساعة فوجدتها قد تجاوزت الخامسة صباحا فقمت لاقفل الشباك كالعادة، فاذا بالاخوين متقابلين ومازالا في جدال مستمر لم يصل بهما حتى الخامسة فجرا الى حل ولم يستطع اي منهما اقناع الآخر برأيه ورغم ان انوار الفجر بدأت تتسلل الا ان القضية لم تحسم بينهما فتندرت بحالهما قليلا وعدت الى مرقدي محاولا اصطياد النوم مرة اخرى. الا ان اصواتهما كانت تشق هدوء الفجر وبعد قليل احتدم الموقف بينهما وبدأ الحوار الطويل يخرج عن اصوله فوقف احدهما معاتبا الآخر بحدة وغضب قائلا له: «معقولة تسهرني طول الليل في هذا النقاش لتقول لي في النهاية هذا الكلام...» وخرج غاضبا وكانت زعلة استمرت بينهما فترة طويلة. بعد هذه الواقعة صرت اتحاشى قدر الامكان الجدل الطويل وآخذ بنصيحة العقاد، ولكن لم يخطر ببالي مطلقا ان تكون هذه الواقعة تحديدا اول طوق نجاة استخدمه في هذه الزاوية!