استحقاق دستوري اخر شهدته الجزائر في 30 مايو الماضي غيرت نتائجه الخريطة السياسية في الجزائر. الاستحقاق جاء في ظروف صعبة تمر بها الجزائر اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وامنياً ، كما ميزته مقاطعة من قبل حزب القوى الاشتراكية وحزب التجمع من اجل الثقافة والديمقراطية واحزاب اخرى وهذا ما جعل نسبة المشاركة لا تتعدى الخمسين بالمئة. نتائج الاستحقاق اعطت مؤشرات مهمة ورئيسية فيما يتعلق بمستقبل الفضاء السياسي الجزائري، ومن اهم المؤشرات ما يلي: حصل الحزب العريق في الجزائر على الاغلبية الساحقة في البرلمان اي 199 مقعداً من اصل 389 وعودة حزب جبهة التحرير الوطني لها أكثر من دلالة. فأولاً نلاحظ شخصية الامين العام لهذا الحزب علي بن فليس الذي استطاع في ظرف قياسي ان يطهّر الحزب من عناصره الانتهازية والاستغلالية واستطاع ان يقحم عنصر الشباب والاطارات الجامعية المؤهلة حيث نلاحظ ان 87% من عناصر الحزب الفائزين بمقاعد البرلمان هم من الحاصلين على شهادات جامعية ما بين البكالوريوس والماجستير والدكتوراه. اضافة الى ذلك الحملة الانتخابية الناجحة التي قادها علي بن فليس والتي تميّزت بالصراحة والشفافية والابتعاد عن الوعود الكاذبة والشعارات الفارغة. اضافة الى ما تقدم يتميز علي بن فليس بماض لا تشوبه شائبة، نزيه وشريف، كما يعرف عنه حبه للحوار والتصالح والوئام الوطني ومازال الجزائريون يتذكرون موقفه الشجاع عندما قدم استقالته وهو وزير رافضاً الاجراءات التعسفية التي اتخذتها السلطة عندما زجت بعشرات الآلاف من الجزائريين في المعتقلات بالصحراء في عهد المرحوم محمد بوضياف. من جهة اخرى نلاحظ ان الناخب الجزائري الذي انتقم من حزب جبهة التحرير الوطني سنة 1991 وسنة 1997 اصبح يتحسر على الحزب العريق واصبح يتمنى لو عادت ايام هذا الحزب الذي على الاقل كان يضمن العيش الكريم والامن والاستقرار للمواطن الجزائري. فبفضل حملة انتخابية قوية ومدروسة ومخططة وبفضل اقحام الكوادر البشرية ذات الكفاءة والنزاهة في قوائمه الانتخابية وبفضل شخصية علي بن فليس القوية استطاع حزب جبهة التحرير الوطني ان يعود الى الساحة السياسية الجزائرية بقوة واستطاع ان يسترجع ثقة الشعب الجزائري فيه بعد مرحلة عصيبة بدأت بأحداث 5 اكتوبر سنة 1988 واستمرت اكثر من عشر سنوات. مفاجأة تشريعيات 2002 جاءت من حزب حركة الاصلاح الوطني، هذا الحزب الذي اسس على خلفية الانقلاب الابيض الذي دبّره الحبيب آدمي للشيخ عبدالله جاب الله مؤسس حزب حركة النهضة الذي ارغم على التخلي عن حزبه وذهب ليؤسس حزب حركة الاصلاح الوطني سنة 1999 وها هو يعود بقوة في سنة 2002 ويحصل على 43 مقعداً في البرلمان وهذه نتيجة جيدة جداً وممتازة فشلت في تحقيقها احزاب لديها اكثر من عشر سنوات من النشاط السياسي في الجزائر. هكذا إذن تأكدت مقولة ان الذي يأتي بسرعة ينتهي بسرعة وان الوعود الكاذبة والشعارات الفارغة لا تنفع يوم الاقتراع. هكذا إذن جاءت خيبة الامل من حزب كان يسيطر على 157 مقعداً في البرلمان السابق ولم يحصل في استحقاق يوم الخميس الا على 48 مقعداً. النتيجة هذه جاءت كعقاب وانتقام من الناخب للحزب الذي لم يف بوعوده ولم يحل الكثير من المشاكل التي يتخبط فيها الشارع الجزائري. حزب التجمع الديمقراطي الذي جاء في ظروف غامضة واسس في ظرف قصير جداً قبل تشريعيات 1997 لم يستطع ان يبني قاعدة قوية ولم يفلح في تقديم برنامج واقعي موضوعي ومسئول حيث ميزته النزعات والصراعات الداخلية في الشهور القليلة الماضية خاصة تلك المواقف التي كانت تتخذها قيادته والتي كانت تناقض ارادة الشارع الجزائري مثل رفض الحزب لسياسة المصالحة والوئام الوطني. الخاسر الاكبر في هذا الاستحقاق هو من دون منازع حزب التجمع الديمقراطي الذي خسر 109 مقاعد، هل انتهى هذا الحزب بهذه السرعة؟ وهل نستطيع ان نعتبره حزباً من دون قاعدة؟ ام ان هذا الحزب اوجدته وصنعته قوى معينة في ظروف معينة لتحقيق اهداف معينة فهل انتهت مهمة هذا الحزب بانتهاء الظروف والمهام والاسباب التي جاء من اجلها؟ تعتبر نتائج استحقاق 30 مايو الماضي بالنسبة لمناضلي حركة النهضة كارثة بكل المعايير حيث ان الحزب الذي حصل على 34 مقعداً سنة 1997 لم يحصل هذه المرة سوى على مقعد واحد فالحزب الذي سرق وانتزع من صاحبه ومؤسسه الشيخ عبدالله جاب الله نال في اخر المطاف جزاء الناخب. وتعتبر هذه النتيجة ضربة موجعة للتيار الاسلامي الذي تقهقر وتراجع. وهذا ما حدث كذلك لكن بدرجة اقل مع حزب حركة مجتمع السلم للشيخ محفوظ نحناح، الذي تراجع وتقهقر فبينما حصل في تشريعيات 1997 على 79 مقعداً لم يحصل الحزب هذه المرة سوى على 38 مقعداً. ويرى المحللون ان ضعف اداء الاحزاب الاسلامية وعدم قدرتها على المحافظة على خطاب واحد صريح وشفاف هو الذي جعل الشارع ينفر منها. فتارة تتحالف هذه الاحزاب مع السلطة وتارة اخرى تعتبر نفسها في المعارضة وفي اوقات اخرى تصوّت على قوانين يرفضها الشعب الى غير ذلك من التناقضات المتراكمة على مستوى الخطاب الايديولوجي والفعل السياسي. استحقاق يوم الخميس الماضي اظهر تراجع الاحزاب الاسلامية وفقدانها لعدد معتبر من المقاعد في البرلمان وهذا يعني انها لم تستطع ان تواصل اداءها في الميدان لتنال ثقة الجماهير. استطاع حزب العمال من خلال رئيسته لويزة حنون ان يجد له مكاناً في الفضاء السياسي الجزائري في تشريعيات 2002، فهذا الحزب التروتسكي استطاع ان يتكلم لغة العمال ويدافع عن همومهم ومشاكلهم وبذلك استطاع ان يبني قاعدة له في اوساط الطبقة الشغيلة في المجتمع الجزائري التي دفعت الثمن غالياً بسبب انتقال الاقتصاد الجزائري من الاقتصاد الاشتراكي الى اقتصاد السوق ومن القطاع العام للخصخصة. السيدة لويزة حنون السياسية المحنكة استطاعت ان تستغل الظروف الصعبة التي يمر بها العامل الجزائري لتمرر خطاباً يتحدى السلطة ويكشف استسلامها وخنوعها للمنظمات الاقتصادية العالمية. ما يمكن قوله عن الانتخابات التشريعية الاخيرة في الجزائر انها افرزت خريطة سياسية جديدة يرسم خطوطها في الايام القادمة حزب جبهة التحرير الوطني في جو تراجعت فيه الاحزاب الاسلامية خاصة حركة النهضة وحركة مجتمع السلم وبرز فيه الشيخ عبدالله جاب الله بحزبه الجديد حركة الاصلاح الوطني وكذلك ظهور حزب العمال بقيادة لويزة حنون كحزب بدأ يؤسس قاعدة لا بأس بها. اما بالنسبة لحزب التجمع الوطني فأيامه اصبحت معدودة بالنسبة لقيادة ورسم المشروع السياسي الجزائري. هل نستطيع ان نخلص اذن الى ان الشعب الجزائري تعلم الدرس بعد ان جرّب الاسلاميين وجرب حزب السلطة ـ التجمع الوطني الديمقراطي ـ واقتنع في الاخير برجال مثل علي بن فليس الذي استطاع ان يطهر وان يحقن دماء جديدة في حزب له مجده وتاريخه . يبقى ان نقول ان استحقاق الخميس الماضي تميز باقبال يعتبر هو الاضعف منذ استقلال الجزائر وتميز كذلك بامتناع الاحزاب الديمقراطية عن التصويت. هل نستطيع ان نعتبر هذا الوضع ازمة معقدة تنتظر البرلمان الجديد لحلها؟ وانه من جهة اخرى هروب الى الامام من قبل الانفصاليين الامازيغ الذين لم يفلحوا في اقناع الشارع الجزائري بأساليبهم وطرقهم التي تطالب بالديمقراطية وتتنافى معها وخير دليل على ذلك هو تهديد الناخبين في بجاية وتيزي أوزو والمناطق المجاورة لها بالضرب والقتل والتعذيب في حالة التصويت. قطع الشعب الجزائري منذ اقرار التعددية السياسية سنة 1989 شوطاً لا يستهان به في ممارسة الديمقراطية لكن الطريق مازال طويلاً ومليئاً بالعراقيل والمشاكل، ومازالت التحديات كثيرة سواء على الصعيد المحلي او الدولي، لكن مهما يكن من امر فإن الجزائر تجاوزت ومسحت من قاموسها السياسي لغة الـ 9999% وثقافة احادية الطرح والرؤية والقرار. اختيار الجبهة الوطنية من قبل الناخب الجزائري في استحقاق يوم الخميس الماضي يدل على نضج الشعب الجزائري وعودة الوعي السياسي الى ذاكرته في اختيار من ينوب عنه ومن يدافع عن مصالحه وحقوقه. ـ قسم الاتصال الجماهيري جامعة الشارقة