رغم نوايا الرئيس حسني مبارك المخلصة وعزمه الأكيد من وراء تلبية دعوة الرئيس بوش لزيارة واشنطن، في الاسهام بدور فاعل في احلال السلام، عبر تسوية مقبولة تستخلص الحقوق المشروعة للفلسطينيين، وتلبي حاجة الاسرائيليين الماسة الى الأمن، فضلا عن رعاية مصلحة أميركا في أن تظل راعية لعملية السلام وشريكا في تقرير سياسات ومستقبل المنطقة، ورغم أن زيارة مبارك لأميركا نالت قدرا كبيرا من الحفاوة والإصغاء الجيد لآرائه ونصائحه على مختلف مستويات صناعة القرار وكذا دوائر الاعلام المقروءة والمسموعة والمنظورة، إلا أن ما سعى اليه الرئيس مبارك إزاء حسم مصير القضية الفلسطينية عبر جدول زمني يفضي الى قيام الدولة الفلسطينية أولا في غضون العام المقبل، قوبل بالاعتذار الضمني وأساليب الكياسة الدبلوماسية الأميركية، بدعوى أن ياسر عرفات ـ تارة ـ ليس أهلا للثقة، وتارة ثانية لأنه لم ينهض كما يجب بمهام التغيير المطلوب في هياكل وتوجهات السلطة الفلسطينية، وتارة ثالثة عبر الزراية بزعامة عرفات المنتخب شرعا من شعبه، وتكرار الاسطوانة المشروخة التي تتهمه بالضلوع أو الخنوع لعمليات العنف الفلسطيني ضد المدنيين الاسرائيليين، كأن القضية برمتها تمحورت في شخصه لتبرير عرقلة مسيرة السلام! والحقيقة المرة أن أشكال وألوان التقييم والتحليل للنتائج الايجابية التي أسفرت عنها زيارة الرئيس، إزاء وضع الرئيس بوش والادارة الأميركية في قلب الصورة التي تراها مصر عن قرب ومعايشة للموقف في الشرق الأوسط، لا يجب أن يدعونا الى أي قدر من الثقة والطمأنينة في الرهان على مجرد احتمال توازن الموقف الأميركي بين طرفي الصراع بالشرق الأوسط لا اليوم ولا غدا، واليقين الأكيد بتطابق وتوحد الموقفين الأميركي والاسرائيلي من المنبع وحتى المصب، وهل بات هناك تفسير آخر مختلف بعد كشف الصحافة الأميركية والاسرائيلية لتفاصيل الاتفاق بين الرئيس بوش وشارون على خطة الاجتياح العسكري البربري للضفة الغربية، ورفض واشنطن كافة الوساطات والضغوط العربية لوقف مجازر اسرائيل وتقويض معالم ومؤسسات السلطة الفلسطينية وهدم البيوت على سكانها و.. و.. بدعوى أن من حق اسرائيل الدفاع عن النفس، أو أنها توفي بالتزاماتها تحت مظلة الحرب الأميركية المعلنة ضد الارهاب، حتى خلال استقبال الرئيس بوش لولي العهد السعودي الأمير عبدالله في مزرعته، لم تسفر ضغوطه سوى عن مجرد مطالبة شارون برقة وعلى استحياء في إنهاء العمليات العسكرية في الضفة الغربية «دون إبطاء» أو «في أقرب وقت مناسب» حسب التصريح الصادر عن كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي الأميركي، بدعوى أن سحب الآليات العسكرية الاسرائيلية يحتاج الى ترتيبات زمنية خاصة تجنبا للفوضى! نحن الآن أمام مشهد خطير.. خطير من كل جوانبه وزواياه، ولعل التجوال الأمين في محيطه ومحاولة سبر أغواره، ينبئ بما لا يدع مجالا للشك أو التأويل على أن الاستراتيجية الأميركية الاسرائيلية الموحدة، تستهدف تصفية القضية الفلسطينية بشكل أو بآخر في المنظور النهائي، وأن المطلوب الآن مرحليا أن يفقد العرب بشكل عام والفلسطينيون بشكل خاص الأمل في التسوية العادلة نسبيا، وأن يقعوا من الآن فصاعدا نهبا لليأس وفريسة لجلد الذات، والشواهد التي تؤكد على هذا السيناريو تبدأ بالتضخيم والتهويل من قوة اسرائيل التي تستمدها تلقائيا وحتما من القوة العظمى الأحادية في العالم، بمعنى أن أي تفكير في الاقتصار سياسيا أو اعلاميا أو عسكريا على اسرائيل يستلزم أن تتوافر للعرب امكانات الانتصار على أميركا، علما بأن كافة الرؤساء الأميركيين بداية بهاري ترومان عام 1948 حتى جورج بوش اليوم لم يخف أي منهم التزامه بضمان تفوق اسرائيل النوعي في شتى المجالات على كل الدول العربية مجتمعة، واذا كان الاجتياح الاسرائيلي الشامل للضفة الغربية قد توقف منذ عدة أسابيع بعد اغتيال المئات من الناشطين في صفوف المقاومة واعتقال زهاء ألفين و200 شاب وإيداعهم الى جوار 6 آلاف غيرهم في السجون الاسرائيلية، إلا أن الاجتياح والاعتقال والقتل والحصار والتجويع بات الآن نشاطا يوميا للجيش الاسرائيلي في شتى البلدان والقرى الفلسطينية، في الوقت الذي يحاول شارون سد أي منفذ للتسوية، عبر تصويت الليكود على رفض قيام الدولة الفلسطينية ولا عودة اللاجئين، واعتبار الحدود فيما بعد يونيو 1967 نهائية، وتضييق الخناق على ياسر عرفات والزراية به، والايقاع بينه وفصائل المعارضة والمقاومة الفلسطينية، والتهديد السافر بترحيل الشعب الفلسطيني الى سيناء والأردن والى آخر ما في جعبة سيناريو تصفية القضية الفلسطينية، ولعلنا من هنا نحسب أن أخطر آليات تمرير هذا السيناريو يكمن في محاولة افتعال الخلافات والمتناقضات بين العرب والفلسطينيين، والترويج ـ على نحو الظاهر والباطن في مقالات بعض كتاب الردة في مصر، من أن الفلسطينيين بات عليهم الآن فصاعدا أن يتحملوا وحدهم عبء الدفاع عن قضيتهم، وكفى مصر شر القتال وفداحة التضحيات، وعليها إذن أن تلتفت أخيرا الى مصالحها، بينما الحقيقة أن مصر وافقت بالاجماع رسميا وشعبيا على دخول الحرب عام 1948، ولم تكن سيناء محتلة آنذاك ولا مهددة بالاحتلال، وإنما لادراكها المبكر بخطورة المشروع الصهيوني سواء على أمنها القومي أو التوسع الاستيطاني على حساب الوجود العربي.. فهل يا ترى وعينا ما يراد بنا؟ واذا كان الأمر كذلك.. فماذا بعد؟ ـ كاتب مصري