هل تنعم أفغانستان بحالة استقرار طويل المدى بعد رحيل القوات الأميركية؟ هذا التساؤل يطرحه أركان الادارة الاميركية على انفسهم ليل نهار بغير قليل من القلق، . وبعد، فإنه بعد نحو تسعة شهور في التدخل العسكري الاميركي بحجم كبير لا يزال الهدف الاستراتيجي الاعظم لهذا التدخل غير مكتمل التحقيق. لقد نجحت القوات الاميركية في الاطاحة بنظام طالبان. لكنه يبقى نجاحا مبتورا مع بقايا ألوف من مقاتلي الحركة ومقاتلي تنظيم «القاعدة» داخل المجاهل الباكستانية في حالة كمون، ثم ان القوات الاميركية فشلت حتى الآن في الظفر بأي من الملا محمد عمر زعيم طالبان او أسامة بن لادن زعيم «القاعدة» سواء بالقتل او الاعتقال. ومع ذلك فإن الادارة الاميركية تنظر الآن في طي صفحة الوجود العسكري الاميركي في افغانستان. لكن ماذا تقدم للرأي العام الاميركي لاثبات ان قرار الرحيل بني على «منجزات» ناجحة؟، عقد اجتماع المجلس القبلي الافغاني «لويا جيرغا» لوضع الاسس لافغانستان مستقبلية مستقرة يبدو انه هو الاجابة عن السؤال، فاجتماع المجلس جرى بترتيب اميركي. ومن هنا كان انتخاب حامد قرضاي رئيسا لافغانستان لمدى 18 شهرا مقبلة على الاقل.. فهو اقوى حلفاء الولايات المتحدة في الساحة الافغانية. ما هو اذن مستقبل افغانستان على يد حامد قرضاي؟ فور اعلان انتخابه رئيسا لافغانستان بواسطة مجلس اعيان القبائل «اللويا جرغا» اعلن قرضاي ان اولويته في الحكم تنحصر في بندين: ـ محاربة ظاهرة أمراء الحرب و«الارهاب». ـ تنفيذ برنامج واسع لاعادة اعمار البلاد؟ لكن الهدفين محكوم عليهما سلفا بالفشل التام. ورغم ان قرضاي سوف يواصل تسيير آلة الحكم بارادة اميركية الا ان الاجندة الاميركية نفسها هي التي سوف تجعل من هذا الفشل امرا محتوما لأن بنود هذه الاجندة تتناقض مع بعضها البعض. فالادارة الاميركية اذ تريد لحكومة قرضاي ان تلاحق فلول قوات «طالبان» وتنظيم «القاعدة» فإنها تعارض في الوقت نفسه محاربة امراء الحرب.. حتى يتفرغ هؤلاء الامراء للاقتتال بين بعضهم البعض. وبما ان غالبية اولئك الزعماء من قومية البشتون الكبرى التي تنتمي اليها طالبان فإن الاقتتال يمنع هذه القومية من استعادة السلطة المركزية مرة اخرى. فيما يتعلق باعادة اعمار افغانستان فان الولايات المتحدة ليس لها ما تقدمه سوى البيانات والتصريحات الدعائية. وحتى الآن ومنذ بداية الوجود الأميركي في الاراضي الافغانية لم تقدم واشنطن الى الحكومة الافغانية الا بقدر ذلك الحد الادنى الذي يبقي بالكاد على حركة دوران الجهاز الحكومي. ان الاستراتيجية الاميركية الثابتة تجاه دول العالم الثالث عموما هي الابقاء على حالة التخلف وتكريس الفقر. وافغانستان ليست استثناء. فلو رصدت الولايات المتحدة لبرنامج اعماري في افغانستان 10 في المئة فقط من مليارات الدولارات التي انفقت وتنفق على الاغراض العسكرية في تلك البلاد لبلغ الاقتصاد الوطني الافغاني نقطة الاقلاع في زمن قياسي. ومن الواضح ان الهدف الأميركي الاكبر ليس ابقاء افغانستان بؤرة للفقر والبؤس فحسب، حتى لا تقوم لها قائمة بل ايضا كيانا مفككا. ولهذه الغاية خلقت واشنطن على الارض ثلاث مناطق جيوسياسية متنافرة: ميليشيات قوميتي الطاجيك والاوزبك في الشمال.. وميليشيات قومية البشتون المتناحرة في الجنوب.. مع حكمة مركزية في الوسط على رأسها شخصية حليفة للادارة الأميركية لكنها بلا جيش قومي. هذه هي الصورة العامة التي تأمل الولايات المتحدة في تركها بعد رحيل القوات الأميركية حتى لا يقوم كيان حكم قومي مركزي يعيد توحيد البلاد. لكن يبقى سؤال: مثل هذه الحالة الفوضوية التي كانت سائدة في النصف الاول من التسعينيات هي التي مهدت لانطلاق طالبان كقوة ايديولوجية مسلحة ذات توجه قومي يقوم على أجندة دينية. فكيف تضمن واشنطن الا يعيد التاريخ الافغاني القريب نفسه، خاصة ان قوة طالبان تبقى كامنة ومتربصة في انتظار الظرف الملائم للانطلاق مرة اخرى؟