الاطفال المشاغبون، والطلاب الاشقياء الذين يتمردون على قوانين الاسرة والمدرسة عن طريق بعض المقالب والتصرفات التي لا يتوقف الآباء والامهات عن الانزعاج، منها وتوبيخ ابنائهم بسببها، في الوقت الذي لا يتوقف «المشاغبون» الصغار عن تكرارها برغم ذلك العقاب او التوبيخ.. الخ، هذه حكاية قديمة جداً، ومتجددة، وكلنا مررنا بها بدرجة او بأخرى، لكن الحكاية (حكاية الولد الشقي او الطالب المشاغب) لم تصل حد المرض او الظاهرة الخطيرة الجديرة بالدراسة والمتابعة وتدخل رجال الامن والشرطة الا في ايامنا هذه! يبدو ان هناك علاقة عكسية بين التحضر والتمدن وبين سلوك الناس في المجتمع، فالشواهد تقول وحتى بدون حاجة للقول فكلنا يسمع ويرى ويتابع ويشاهد، انه كلما ارتقت حضارة الانسان المادية، وكلما ارتفعت عالياً منجزاته في مجال البناء والصناعة والعلم، كلما تدهورت اخلاقياته ومعنوياته، معاً، فهو ممعن في انتاج الاسلحة المدمرة، والاغذية المسرطنة، وفي توليد النزاعات، ونشر ثقافة القتل والتطهير العرقي، وسباق التسلح، والاكثار من صناعة الالغام وزرعها، وابادة البشر بواسطتها او تركهم معاقين مشوهين الى الابد!! فهل نسمى هذا الذي يحدث حضارة؟ اذن فهي حضارة التدمير لا أكثر. طلابنا اليوم يشتمون المعلم، ويضربونه ويستهزئون به، لقد تحولوا الى محترفي لامبالاة وعنف، ونخشى ان نقول ان بعضهم قد احترف الجريمة ايضاً، وهذه حقيقة صارخة للاسف في كثير من مدارس العالم. طلاب الولايات المتحدة يفجرون مدارسهم بالاسلحة النارية وحوادث القتل التي لا تنتهي، انهم يقتلون مدرسيهم وزملاءهم في الفصل بمنتهى البساطة، ويصنعون القنابل المتفجرة في المنازل عن طريق مواقع معينة عبر شبكة الانترنت، اما طلاب اليابان فينتحرون، وطلاب اوروبا يدمنون المخدرات، وطلاب بعض الدول يدمنون الشذوذ وبعض العبادات الغريبة، بينما يتصارع طلاب وطالبات مراهقون ومراهقات لأسباب عاطفية ساذجة فيشهرون السلاح في وجه بعضهم بعضاً، وينتهي الامر احياناً بجثة ملقاة على الطريق، وصغار في عمر الزهور مكبلين بالحديد في مراكز الشرطة!! في مدارس الامارات هناك ظاهرة عنف وانحرافات سلوكية فهم اذن يدورون في الحلقة الطلابية العالمية ذاتها، شئنا ذلك ام ابينا، والقضية خطيرة جداً، لذلك فالسكوت عنها، وتمريرها بسهولة باعتبارها (شقاوة اولاد) ليس في صالح احد! والقضية ليست قضية قوانين رادعة، وتشريعات مدرسية، والحل لا يكون ولا ينتهي بحلقة نقاش تلفزيونية او اذاعية يتم من خلالها تحميل الاسرة كل العبء، او القاء كل اللوم على ادارة المدرسة، والحل ليس بضرب الطالب او فصله من المدرسة او حرمانه من المصروف، فكل هذه الاساليب جربت في كل انحاء الدنيا، لكنها لم تعد تجدي نفعاً، وهي لم تقض على العنف ولم توقف سلسلة الجرائم في بعض المدارس! اذن فما هو الحل؟ الحل دائماً في البحث عن اسباب الخلل، فكل هذا العنف والانحراف لم يأت من فراغ، والخلل منتشر ومستشر في كل البيئة المحيطة بالطالب المراهق، فهذا المراهق ذو الاحلام والتطلعات والتوجهات التي يرسمها بحسب عقله وعمره، لا يأتي الى المدرسة من فراغ، ولا يتحرك في فراغ، ولا يتحول الى عدواني ومنحرف ـ اذا صح التعبير ـ بمحض ارادته، هذا الصغير لا تربيه الاسرة فقط، ولا تهديه توجهات المعلم فقط، ولا يعيش في يوتوبيا نظريات الفلسفة والدين والاخلاق التي يقرؤها في المدارس، ان هناك عشرات المؤثرات التي تصب في عقله ووجدانه وتقوده الى حيث يتكون ويتحرك ويعتقد ويتصرف. علماء التربية والاجتماع يقولون ان جملة اسباب تتركز في: غياب القيم في البيئة المحيطة بالطالب اي في اسرته (والديه تحديداً) واصدقائه، واماكن اللهو التي يتردد عليها، والاعلام الذي يتابعه (سينما وتلفزيون) وصولاً لبيئة المدرسة التي يقضي فيها اغلب ساعات نهاره، غياب القيم هذا وانعدام القدوة امام الطالب، لا يعالج بالضرب والفصل والحرمان من الحصص.. لأن الطالب ليس مسئولاً عن ذلك، بل هو واقع تحت تأثيره ويعاني منه. كلنا ملامون فيما يحدث في المدارس، وقد تحول اللوم الى اتهام والطالب هو الضحية في حين يعامل على انه الجاني، فمن الجاني ومن الضحية يا ترى؟!