تطرح الاسواق منذ سنوات عديدة ولا تزال منتجات فكرية رديئة، كما انها قد تطرح منتجات فكرية عالية الجودة، غير ان الملاحظ، ان سوق الافكار الرخيصة له زبائنه ومريدوه على نحو يثير القلق، ويشعرنا ان الذائقة الثقافية لبعض القراء اصبحت في حالة تدعو للتدخل لاصلاحها وإعادتها الى حالتها الطبيعية. حيث ان الملاحظ على البعض انه لم يعد يشترط مستوى معيناً للمادة التي يشتريها ويقوم بقراءتها بل اصبح يبحث بدوره عن تلك المواد الرديئة التي يقرؤها باستمتاع ويرى انها وحدها القادرة على جعله قارئاً جيداً بعد ان انتفت لديه البدائل الاخرى، ولم يعد قادراً الا على قراءة هذا النوع من الفكر الهزيل. ومن اجل تعديل تلك الذائقة الثقافية التي اصابها الخلل، ومن ثم الارتقاء بذوق القاريء الى المستوى الذي يضمن له قدراً من السير الآمن في صحبة الكلمة المكتوبة فإن الحاجة الى وجود وكلاء للكلمة المسئولة ملحة، لكي يؤدوا دور الوكيل الحريص على انجاح مهمة موكله، على نحو يعيد للفكرة الجيدة جاذبيتها التي جهلها الكثيرون، بالرغم من انها مرشحة لاثراء الساحة الثقافية بالنافع والجاد، وقادرة على الاجابة عن تساؤلات جيل يتلمس بضوء خافت طريقه، بينما تكاد الشعلة التي بيديه ان تخبو قبل ان يصل الى نهاية الطريق!! الحاجة ماسة اذن لاعادة الكلمة المسئولة لقيادة المجتمع، والدفع بالافكار الجديرة بالبقاء لتنتشر بين الناس، وتأخذ فرصتها في التأثير على عقولهم، بل وفي تشكيل المفاهيم والتصورات وفق منظومة من الاخلاق والقيم والمباديء التي لها في ارضنا جذور تأبى الاقتلاع، كما ان هناك من هو مؤهل للتجاوب معها على نحو يدعو للتفاؤل والرجاء. واذا كانت الحاجة الى تقديم الدعم للاعمال الثقافية الجيدة ملحة، فان اول خطوة في هذا الطريق تأتي عبر الترويج لتلك الافكار الثقافية المقصودة والتبشير بها، وهو المحك الذي من خلاله سيتم اختبار مدى مصداقية من يملكون القدرة على فتح النوافذ والابواب لمثل هذا النوع من الثقافة النظيفة المبرأة من الغش ومن انواع الملوثات الفكرية الضارة. انه اختبار للواجهات الثقافية المتنوعة والتي من بينها وسائل الاعلام التي عليها ان تستقبل الاعمال النظيفة المكتوبة او المسجلة بشيء من الحفاوة والاهتمام. انه اختبار لقدرتها على الشراكة الفعلية في مشروع النهوض الثقافي بالامة الذي يقتضي ان تطرد العناصر الفاسدة في الوقت الذي يفسح فيه المجال للطاقات المرشحة للوفاء بالتزاماتها الاخلاقية والوطنية تجاه مجتمعها وامتها. لا شك ان التخلي عن هذه الادوار المفصلية هو عبث وتهريج وهو إضاعة لوقت ثمين من عمر شباننا وفتياتنا هم احوج ما يكونون لاستثماره فيما يعود عليهم بالنفع والنماء. ولأهمية المحافظة على ذاتية الامم وعلى خصائصها الطبيعية وجدنا دولا عديدة في العالم هي اكثر منا تقدماً في الجانب العلمي، واكثر منا نشاطاً في مختلف المجالات الحيوية، ومع ذلك تراهن تلك الدول على مشروعها القومي الذي ينطلق من ثوابتها الخاصة بعيداً عن اي غزو ثقافي قادم مهما كانت الشعارات التي يتخفى وراءها ذلك الانتاج الفكري الغريب عنها. فها هي فرنسا ـ على سبيل المثال ـ تقاوم ذلك السيل الاعلامي القادم من اميركا والذي اغرق اسواقها وحاصر منتجاتها الاعلامية المحلية مما جعل الدولة تتحرك باتجاه محاصرة تلك الظاهرة قبل ان تصبح نمطا حياتياً يعيشه ابناؤها، ويعرض موروثها الثقافي والأخلاقي للتآكل والاندثار وهي نهاية مؤلمة يأبها العقلاء