يحار الانسان في أمير الشعراء احمد شوقي فهو بقدر ابداعه في ألوان متعددة من المديح الى الوصف الى النسيب، تهتز قلوبنا طربا عند سماع قصائده الدينية الرائعة، ورغم انه درس ـ بعد مصر ـ في فرنسا وعاش فيها سنوات ثم عاد ليعمل في ظل «المعيّة» الخديوية اي في الديوان الخديوي، الا انه لم يفقد فصاحة اللسان العربي، ولا روعة التعبير الشعري في أي من قصائده. ولقد تذكرت قول الدكتور محمد حسنين هيكل وهو يصف هذه الازدواجية لدى شوقي فيقول: انك لتكاد تشعر كأنك امام رجلين مختلفين جد الاختلاف.. فأحد هذين الرجلين مؤمن عامر النفس بالايمان، مسلم يقدس اخوة المسلمين، حكيم يرى الحكمة ملاك الحياة وقوامها، محافظ في اللغة يرى العربية تتسع لكل صورة ولكل معنى ولكل فكرة ولكل خيال، والآخر رجل دنيا يرى في المتاع بالحياة ونعيمها خير آمال الحياة وغاياتها. ويرى المتأمل في شوقي شاعرا مغرما بالحياة، ولكنه شاعر يختلف في روحه عن صاحب نهج البردة التي مطلعها: ريم على القاع بين البان والعلم أحل سفك دمي في الأشهر الحرم وعن صاحب الهمزية الذي يقول فيها: ولد الهدى فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسّم وثناء وكلما قرأت هذه القصيدة الهمزية او أنصتّ الى أم كلثوم وهي تشدو بها توقفت عند بيت عبقري ويخيل اليّ انه لم يوجد شاعر قبل احمد شوقي او بعده استطاع ان يوجز الاسلام عقيدة وشريعة مثلما فعل امير الشعراء في هذا البيت الذي يصور ديننا الحنيف: والدين يسر والخلافة بيعة والأمر شورى والحقوق قضاء ويحار العقل والقلب معا في هذه الشاعرية الفياضة، وفي هذا الفيض الرباني الذي يتجلى في بقية ابيات هذه القصيدة التي تصف شمائل إمام الانبياء والرسل عليه الصلاة والسلام... واليك بعضا منها: فاذا سخوت بلغت بالجود المدى وفعلت مالا تفعل الانواءُ واذا عفوت فقادر ومقدّرُ لا يستهين بعفوك الجهلاءُ واذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هما الرحماءُ واذا خطبت فللمنابر هزّةُ تعرو النّدي وللقلوب بكاءُ واذا اخذت العهد او اعطيته فجميع عهدك ذمة ووفاءُ.. عليك افضل الصلاة والسلام يارسول الله.. وجزاك الله رحمة وخيرا يا أمير الشعراء لمدائحك النبوية التي تهز القلوب وتسمو بالارواح الى افاق من الجلال والضياء.