محطة ( سيدي جابر) عصر يوم صيفي بإنتظار قطار الديزل الذي نمتطيه بمشيئة الله تعالى من الاسكندرية إلى القاهرة ورغم أن الطقس في الثغر المتوسطي، كان رفيقا بنا أن أرسل من سطح البحر الأبيض بعضا من نسمات خفضت بعض الشيء من وطأة القيظ الحزيراني - بالمقارنة مع سخونة القاهرة على الأقل - إلا أن التعب كان قد بلغ أوجه بعد ثلاث ساعات أو تزيد استغرقتها محاضرة في احد أندية الثقافة وأعقبتها حوارات مع نفر من المثقفين الذين لا يخفى على مفهومك أنهم لا يعجبون بشيء ولا يرضون عن شيء. محطة سيدي جابر مزدحمة بمسافرين يقصدون العاصمة ويرتقبون قطارا فاخرا مكيف الهواء دفعوا من أجله الشيء الفلاني كما يقولون (في حالتنا - يعلم الله أن الشيء الفلاني المذكور أعلاه دفعه السادة الذين دعونا إلى المحاضرة في ناديهم العتيد) ومن الركاب أخلاط وتشكيلات من البشر.. أساتذة جامعيون يقصدون دمنهور - أقرب مدن غرب الدلتا إلى الاسكندرية ومنهم طلاب وطلاب في حالة امتحانات ومن ثم فهم كثيرو الحركة دائمو الصخب ولعلهم يقصدون إلى ركوب قطارات الضواحي المحيطة بالاسكندرية وفي مقدمتها قطار (أبو قير) الذي يدخل رصيف المحطة متواضعا مثل كائن خرافي استبد به إرهاق العمل وتعب السنين.. كل عرباته من الدرجة الثالثة حيث الركاب الأكثر تواضعا لا ينشدون سوى مقعد أو حتى مساحة ولو معقولة من مقعد ضمن المقاعد الخشبية المنبثة في باحة العربات التي لم تعرف ترف التكييف في يوم من الأيام في ثوان أقل من معدودة خلت ساحة المحطة من جموع الطلاب الذين تحولوا إلى عربات قطار أبو قير.. كيف ركبوه.. بهذه السرعة الذين وجدوا مقاعد ارتسمت على وجوههم الصبية ابتسامة الظفر والذين اكتفوا بالوقوف لم يقلوا عنهم ابتساما لسان حالهم يكاد يقول: وماله غدا يوم آخر ومازال في الأمل متسع والمستقبل ممتد والطموح بغير حدود وفي يوم من الأيام سوف نجد مقعدا.. الخ جرس المحطة يدق وبدأ القطار (أبو قير) المتواضع في التحرك بطيئا وئيدا بدأت اتصفح عرباته التي تتوالى أمام ناظري مثل صفحات تترى من كتاب مفتوح.. فوق واحدة من العربات المح نقوشا وعبارات ورسومات بلونين أحمر وأزرق.. عادت الذاكرة للتو إلى النقوش والعبارات التي تعودنا أن نطالعها على الجدران وعربات مترو الأنفاق الصابواي ( الصبواي) في نيويورك يسمونها الجرافيتي ويختلفون في أمر الحكم عليها.. منهم من يستهجن كتابتها التي تشوه في رأيهم جدران البنايات والعربات ومنهم من يرى فيها نوعا من الفن الشعبي والإبداع التلقائي حتى ليقدمون لك شابا أشعث أغبر داكن البشرة في معظم الأحيان بعبارة تقول في اعتزاز شديد: حضرته.. فنان جرافيتي، ومن الأمريكان أيضا من يحتفل بهذه الرسومات والعبارات - لا بوصفها فنا ولكن بوصفها آلية من آليات التعبير عن ما يدور في اخلاد الشعب.. عن مكنون ما يضمرون من أفكار وانتقادات ومشاعر واحساس، كل هذا جال بخاطرنا ونحن نعيش لحظة من التفلسف اذ نجلس على مقعد من الحجر الأبيض المصقول في محطة سيدي جابر عند مداخل الإسكندرية في طريقنا عبر حقول الدلتا الجميلة إلى القاهرة، أشد عواصم أفريقيا والعالم العربي والشرق الأوسط ازدحاما. بسرعة قرأنا العبارات المكتوبة طبعا باللغة العربية على قطارنا المحلي ولسنا ندري ماذا ظن الجالسون بنا - من ناحية العقل أو الاتزان على الأقل - وقد لمحونا ونحن نمتشق القلم لكي ندون في نوتة صغيرة ما استطعنا أن نلتقطه خلال تحرك القطار من تلك العبارات أو الشعارات. وخذ عندك عبارة منها مكتوبة بالأحمر.. تقول: ـ صباح الخير يا نوران من الذي كتبها؟ لعله عاشق ولهان حالت التقاليد بينه وبين التعبير عن مشاعره.. لعله كان يخشى مغبة من عقاب من أهل الآنسة المذكورة أو مدرسيها أو زميلاتها أو منها شخصيا.. فكان أن لجأ إلى هذه الوسيلة كتغيير مهذب ومتحضر - ببساطة القى تحية الصباح على الآنسة بل وسجلها على عربة قطار. عبارات أخرى كثيرة حملتها عربات القطار بعضها يؤكد أن وليد جدع وأشجع الشجعان وبعضها تسجل أنشودة تقول بحروف زرقاء تبدأ بعبارة يا محنيّ (من الحناء) ديل العصفورة ومدرسة عباس هي المنصورة ولك أن تتخيل بداهة أن حكاية خضاب ذيل الطائر الوديع الرشيق لم تكن سوى نقلة بلاغية اقتضاها الوزن الشعري الذي أفادنا أن مدرسة عباس هي التي أحرزت قصب السبق ربما في مباراة كرة قدم لم يسمع بها أحد ولكن عمد مؤرخو المدرسة (وهم طبعا تلاميذها البررة) إلى تأكيد وربما تخليد هذا الإنتصار في سجل عربات قطار أبو قير. ولأننا في سباق التاريخ والمؤرخين لا نملك سوى أن نقول لك أن محطة سيدي جابر هذه وليس غيرها شهدت ميلاد نهضة المسرح العربي في عصرنا الحديث وأصل الحكاية أن ناظر هذه المحطة وهو المشرف عليها وقف ذات عصر ينتظر القطار الملوكي الفاخر وسط مظاهر تشريفه الأبهة التي أعدوها لاستقبال حاكم البلاد عزيز مصر الخديوي عباس حلمي الثاني كان ذلك بالتحديد في عام 1910 وكان الخديوي قادما من عاصمة ملكه في القاهرة وفي طريقه للاصطياف والاستجمام في الاسكندرية العاصمة الثانية. ناظر محطة سيدي جابر كان وقتها شابا في الثلاثين من عمره.. فارع الطول يميل شعره إلى الشقرة وتميل عيناه إلى الزرقة وحين يتكلم تخرج نبراته واضحة وطلية بصوت واثق شديد العمق إلى درجة لا تخطئها الأسماع. حين نزل أفندينا وليّ النعم من القطار قدموا له جورج أفندي ناظر المحطة وكان مهاجرا إلى مصر من لبنان الشقيق وتشاء المصادفات السعيدة أن يقول واحد من أفراد الحاشية: جورج أفندي غاوي تشخيص يا أفندينا وتشاء أيضا أن لا تفوت الملاحظة الخديوي عباس وكان بدوره شابا مفعما بالطموح (36 سنة وقتها ) وهكذا صدرت الإرادة الخديوية بإيفاد جورج أفندي ناظر محطة سيدي جابر للسكة الحديد لدراسة فن التشخيص - التمثيل المسرحي- في فرنسا حيث أمضى عامين بالتمام والكمال وعاد بعدهما لينشئ فرقة مسرحية قدمت عيون المسرح الغربي مترجمة إلى العربية فوق خشبة الأوبرا الخديوية، وكان البطل اسمه جورج أبيض.. الذي تحول من ناظر محطة إلى رائد مؤسس، لفن المسرح الجميل في الوطن العربي مع توالي كل هذه الخواطر.. كان قطار أبو قير قد غادر المحطة هادرا ومتواضعا يحمل ركابا وطلابا وطالبات ويحمل أيضا نقوشا وشعارات وعبارات كان آخر ما سجلناه منها وربما أطرف ما سجلناه في تلك العصرية عبارات قال فيها كاتبها الهمام: ـ الأسعار نار. والبال محتار. فينك يا حكومة ؟ هذا إذن مواطن ظريف يتساءل أين الحكومة لعلها تضبط الأمور فتطفئ لهيب الأسعار وتدخل قدرا ولو ضئيلا من سكون الطمأنينة على خواطر المحكومين. هؤلاء ناس مباشرون.. دوغري كما يقول المصريون - مهما حدثوهم عن قوانين الوطن والطلب وآليات السوق وقواعد منظمة التجارة العالمية إلى آخر ما تجود به شقشقة المختصين أو ثرثرة صالونات المثقفين فلسوف يظل على السنتهم سؤال لا ينفكون يطرحونه باستمرار وبكل لغات الأرض على اختلاف الأنظمة والأقطار والأمصار سؤال يقول: وأين الحكومة من هذا كله ؟